الكتابة والحدث ترتبط الكتابة- أية كانت- بالعالم المحيط بالكاتب، إذ لا يمكن أن يتم تجاوز الواقع حتى في تلك الكتابة اللاواقعية، هذه الكتابة التي تسجل لاواقعيتها، من خلال الابتعاد عن الواقع الذي لا يمكن التخلي عنه كمعيار في العلاقة بالواقع، ولعلّ الحدث، صغيراً كان أم كبيراً، يعدّ جوهر هذا العالم في لحظته المتحولة، بعيداً عن السكونية التي تبدو لأول وهلة، سمة للمكان، وإن كانت هذه السكونية -نفسها- تمور من الناحية العلمية بالحركة التي قد يمكن التقاطها من قبل الكاتب الفطن . وبعيداً عن مثل هذه التفاصيل التي قد تدفع إلى الاستطراد، فإن الكتابة على امتداد الزمن، وعبر مختلف أشكالها، بل قبل أن يتم تأصيل الأبجدية وفصلها عن الرسم ليكون كل منهما عالماً خاصاً، كانت ذاكرة للأحداث التي مرت بتاريخ الإنسان، سواء أكان ذلك في حالات الحرب أم السلام، حيث دونت بوساطتها كل هاتيك الوقائع التي تشكل الآن فصولاً في تاريخ الإنسان . وبديهي أن الكتابة نفسها، باتت على امتداد الزمان تجد لنفسها أشكالاً عديدة للتعبير عنها، في ضوء رحلة الكائن البشري، وإذا كانت الصحافة جزءاً من هذه الكتابة، فإن ضروب الإبداع الأدبي المتعدّدة، كل منها على حدة، لتعدّ من الأشكال التي ترصد الحدث، وإن كانت طريقة تناول الحدث أدبياً تختلف بين جنس وآخر، لأن ما يمكن أن تتناوله القصة القصيرة هو غير ما تتناوله القصة الطويلة، أو الرواية، وما قد يعكسه الشعر غير ما قد يعكسه المقال الأدبي أو الخاطرة أو المسرحية . وإذا كان كتاب كثيرون قد تناولوا موضوع الحرب في أدبهم، فإن الاستجابة لهذا الأمر كانت تختلف بين أديب وآخر، إذ هناك من قد يكتب من قلب الحدث، فلا يعيقه اشتداد وطيس المعركة عن مواصلة رصدها، يحول تفاعله مع ما يتم على نحو مباشر، من دون أن ينسى قيادة الدفة الفنية، ورسم ما يدور من حوله بحرفية عالية، ليكون وثيقة لا غنى عنها أثناء العودة إلى هذه الواقعة أو تلك، كما أن هناك من سيرصد الحدث متأخراً-كما فعل تولستوي في رواية الحرب والسلم- إذ إن أي سفر إبداعي في نظر هذا الصنف من المبدعين ليحتاج إلى فترة زمانية مناسبة، كي يختمر الحدث فنياً، ويظهر خالياً من عيوب اللحظة الانفعالية التي قد يتعرض لها النص الأدبي الذي يلتصق بزمان كتابته، كما قد يؤخذ على النص المتأخر عن لحظة الحدث افتقاد عنصر صدق التفاعل، ما يقلل من شأنه التوثيقي، وإن كان الأدب الرفيع لا يكون في الأصل صورة فوتوغرافية عن الواقع . كما أنه أمام مثل هذين الاتجاهين في التعامل مع الحدث، قد نجد اتجاهاً ثالثاً لا يعكس كل ما يدور من حوله، ولا يصدر عنه أي موقف أخلاقي أو إبداعي تجاه ما يراه، على خلاف ما تقتضيه رسالة الكاتب ووظيفة الكتابة، في مناصرة الجمال ضد القبح، والخير ضد الشر، الأمر الذي يقلل من شأن أهمية أي خطاب يعيش في الهامش، بعيداً عن نبض الحياة، وتطلعات الإنسان، وحلمه، ومناوأة الظلم والانحياز إلى قيم العدل والحق في كل مكان وزمان . المصدر : دار الخليج |