مجال البحث
المكتبة التراثية المكتبة المحققة أسماء الكتب المؤلفون القرآن الكريم المجالس
البحث المتقدم ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث البحث في لسان العرب ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث إرشادات البحث

التجديد في شعر المهاجر الأميركية وعوامل تكوينها

طبيعة مدرسة المهجر: يستفاد من كلام للدكتور شوقي ضيف متعلق بمدرسة شعراء المهجر أمور من أهمها:

(1) أن هذه المدرسة تجديدية في طبيعتها، وأنها لا تقلّ في تجديدها عنفاً وثورة عن مدرسة <جماعة الديوان>، فشعراؤها من المقيمين الذين نزحوا الى العالم الجديد، وأن نزوحهم لم يكن بباعث واحد محدد، بل ببواعث ثلاثة متداخلة: نشدان الحرية، والبعد عن بطش الأتراك، وطلب الرزق والثراء·

والنظر في الوقائع التاريخية، السياسية والاجتماعية والاقتصادية - الكامنة وراء البواعث المشار اليها - لا يؤكد نشأة هذه المدرسة المبتدعة - أي المتصلة بنزوع أصيل الى التمرّد الحضاري - وحسب، بل يفسّر الطوابع الثورية التي طالما وقف النقاد أمام أبعادها وسماتها البارزة في اتجاهات شعر المهاجر والتي تتناول معاني هذا الشعر والعديد من اغراضه، وصيغه التعبيرية وأساليبه على وجه الخصوص·

(2) بالعودة الى الجذور الأولى التي تأصّلت في تربتها أسس هذه المدرسة، يمكن ان نلمس اصالتها في مقاومة كل شكل من اشكال الهيمنة، ونفورها من النمطية· فهي على صعيد التشكّل التاريخي فرع من مدرسة واحدة، هي المدرسة الأم في الوطن المقيم، وفرعها الآخر، قوامه تلك الحفنة من الادباء السوريين واللبنانيين والفلسطينيين الذين - للأسباب نفسها - نزلوا ارض مصر، في عهد اسماعيل، وكان لهم في حركة التجديد الأدبي الدور الفاعل الذي نوّه به الباحثون خلال عرضهم لبواعث النهضة والذي برز على صعيد الشعر بجلاء معجب عند خليل مطران· ومن المفيد الوقوف على رأي التاريخ بهؤلاء المهاجرين الى ارض الكنانة، لأنهم طليعة المهاجرين العرب الى ارجاء المعمور عموماً، وإلى العالم الجديد بنوع خاص·

يقول الدكتور فيليب حتي: وكان وادي النيل الذي استهوى اللبنانيين أولاً، ذلك انه لما بدأ الخديوي اسماعيل (1963 - 1879) - الذي تم فتح قناة السويس في عهده - في اعادة تنظيم الحكم والادارة في مصر تنظيماً يتفق مع رغباته في جعلها بلداً عصرياً، وجد في خريجي الجامعات الاوروبية في بيروت موظفين اكفاء· وكذلك لما احتل الانكليز مصر عام 1882، وجدوا في خريجي الجامعة الاميركية في بيروت موظفين <انعمت بهم السماء> كما يقول كرومر·

كان هؤلاء المهاجرون اللبنانيون الى مصر يقومون بخدمات جلّى·· حتى ان بعض الموظفين الانكليز الكبار كانوا يقولون: لقد كان باستطاعتنا احتلال البلاد، ولكن لم يكن باستطاعتنا الاحتفاظ بها لولا هؤلاء السوريون واللبنانيون·

ويتتبع المؤرخ فيليب حتّي انجازات هؤلاء المهاجرين في حقول الفكر المختلفة، ولا سيما في الادب والصحافة، والتي لم تقتصر ثمراتها على مصر وحدها بل تعدّتها الى سائر الامصار العربية، فقد اسهم اللبنانيون النازحون عن طريق الصحافة التي اسسوها، في بعث اليقظة القومية وتحرير الشعوب العربية من قيود الحكم الجائر·

في عهد عباس الاول وجد هؤلاء المهاجرون ابواباً اوسع للعمل في مصر، لأن حفيد الخديوي اسماعيل استعان بهم في ملء المراكز التي كان يشغلها المختصون الاجانب· وقد ادّى الاعتماد على هذه الجماعات النازحة من لبنان وسوريا، الى ارتفاع عدد المهاجرين في مطلع القرن العشرين في الاراضي المصرية الى نحو ثلاثين الفاً قدّرت ثروتهم الاقتصادية بعشر الثروة القومية في مصر·

(3) كل من يدرس اوضاع لبنان في ظل الحكم العثماني، والاحداث التي اجتاحت ارضه في ظل الصراعات الداخلية بين الحكام الاقطاعيين وبين هؤلاء والباب العالي في الاستانة - ويتمكّن من الاحاطة بقدرة اللبنانيين على تخطّى الصعاب وتمكّنهم من تحقيق نهضة فكرية واجتماعية خلال فترة قصيرة من الزمن، يغدون معها رسل محبة وتقدّم في محيطهم - يثبت له ما كان يتميّز به اهل هذه البلاد وجوارها من حسّ حضاري عريق و قديم، متغلغل في ثنايا التاريخ الغابر، وهو الحس الذي نما واعطى اكله اليانعة في القرن التاسع عشر، لأن الاتصال بالغرب في هذه الحقبة - والذي جاء في سياق الاحوال السياسية التي مرّت عليه، ومن بينها مطامع الدول الاوروبية في هذه الاجزاء الواقعة داخل رقعة النفوذ التركي - وضع لبنان على طريق المدنية العصرية، وجعله رائداً للتقارب بين المدنيتين الشرقية والغربية، والتوفيق بين مقوماتهما المتباينة· يقول فيليب حتي: لقد فاق لبنان سائر الاقطار العربية المجاورة له في تجاوبه مع المدنية الغربية تجاوباً تلقائياً·· ولم يقنع ان يأتي الغرب اليه، بل كان يسعى ان يذهب هو نفسه الى الغرب· وفي السنوات العشر او العشرين التي تلت سنة 1860 هاجر اللبنانيون الى زوايا الدنيا الاربع طلباً للعيش الرفيع· وفي خلال نصف قرن·· استحال لبنان فعلاً من بلد يعيش في العصور المتوسطية الى بلد عصري·

استناداً الى سميناه <الحس الحضاري>، المولد الدائم لليقظة الفكرية، والباعث على التطور، استطاع لبنان ان يتجاوب مع الحضارة الغربية الجديدة منذ العقود الاولى من القرن التاسع، وكان تجاوبه نابعاً من طبيعته وتكوينه الذي صقل التاريخ الطويل جوهره، وهو بالتالي الذي أهّله، لا ليحرر نفسه وحدها من عقلية الماضي الرجعية الضيقة، بل ليكون مصدر اشعاع في محيطه· فقد كان متميّزاً في واقعه عن تركيا نفسها وعن سائر الاقطار الافريقية والشرقية فريداً·· وفي تقبّله ازياء الفكر الحديث، تلك الازياء التي لم تفرضها قوانين كتلك التي وضعها اتاتورك لخلق تركيا حديثة معاصرة·

كان تقبّل الحضارة الغربية في لبنان والتجاوب معها تلقائياً وتدريجياً·· لم تفرض عليه فرضاً ولا اجبر على تقبلها·· ولم تكم حملة نابليون ولا الحملة المصرية العامل الرئيس الفعّال في احداث التغييرات الجذرية في الحياة اللبنانية·· ولنا ان نقول: ان دخول الحضارة الغربية الى هذه المنطقة يعدّ العامل الاول في تطوّر تاريخها الحديث· فإن جميع الاحداث والتغييرات التي طرأت عليها من سياسية واجتماعية واقتصادية وروحية وعقلية يمكن ردّها مباشرة او بالوساطة الى هذا العامل: وقع الحضارة الغربية·

(4) ليس بدعة في الرأي امام منطق التاريخ اعتبار الحركة الادبية التي قامت في الاميركيتين على يد المهاجرين العرب وفي طليعتهم اللبنانيون، امتداداً طبيعياً لعملية التحضّر المشار اليها· اي انها حركة ولدتها الافرازات المتعددة التي جاءت في اعقاب التحوّل الذي فرضته روح الصراع بين القديم الموروث في البيئة اللبنانية - السورية·

فلا يصعب ان نجد في سياق الزمن التاريخي، معالم الدرب التي سلكتها الاوضاع في ظل المعطيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتكوّنت اثناء مسراها النواة الاولى التي انبتت في تاريخ الادب العربي الحديث تلك الواحة الخصيبة ذات الخمائل الظليلة والجداول الرقراقة ومواكب الطبيعة الحالمة والتي سمّاها المؤرخون بمدرسة المهاجر الاميركية، والشعر واحد من الفنون التي طورها او استحدثها اعلام هذه المدرسة·

د· عمر الطباع

المصدر : اللواء اللبنانية