إدوارد شهدا يلون الذاكرة ويحتفي بمحمود درويش! يقتفي الفنان إدوارد شهدا في معرضه المقام في صالة تجليات بدمشق، أثر محمود درويش الشاعر، ويحاول أن يرسم انطباعاته عن الكلمة والعبارة والصورة واحتمالات المعنى،. وذلك من خلال عدة أعمال شكلت جزءا مهماً من المعرض إضافة إلى لوحات تناولت مواضيع أخرى، لكنها شكلت جميعها بانوراما عن تجربة شهدا المعروفة بالمراهنة على المهارة اللونية كحامل أساس للوحة.. رغم أن شهدا لا يحاول رسم القصيدة التي كتبها درويش، لكنه يصف ذلك على أنه «نوع من التفاعل الفكري والبصري مع أشعار محمود درويش» ليدفعه ذلك باتجاه العمل على حساسيات اللون الأبيض انطلاقاً من جملة درويش الشعرية «أنا وحيد في البياض»، فيفتتح هذا التفاعل بلوحة بورتريه جانبية لدرويش يحضر فيها الاشتغال على اللون في الوجه بحيث يبدو محدقاً في البعيد، أما في لوحة «ورقة من مقامة محمود درويش» فتنقسم اللوحة إلى جزأين يحمل أحدهما مقاطع شعرية أما الآخر فيبدو درويش ممتلئاً بالألوان يلوح بيده في إشارة للرحيل، أما في لوحة «لاعب النرد» و»وداع شاعر» فيعمل وفق المنهج ذاته تقريباً بحيث يصور الفنان شخصية الشاعر إضافة إلى عدة أشخاص وتفاصيل أخرى مشغولة جميعها من وحي حضور درويش ونصه ومجموعة الانطباعات المؤثرة في مخيلة الشاعر، فالاحتفاء اللوني الذي يصنعه شهدا هنا مشغول بأسلوبه المعروف ومستند إلى النص الدرويشي وتقاطعات الشاعر أو تواصله مع الصورة والكلمة والعنوان، هكذا يمكن العثور على لوحة «سأصير يوماً طائراً» لنكتشف الشاعر على هيئة طائر كبير في لحظة التحفز بينما يظهر على هامش الكادر الشاعر الحالم وهو يتخيل تلك الصورة أو يكتبها إذا صح التعبير.. 
|
تفاصيل دقيقة في وسط البرك اللونية الهادئة التي يشكلها شهدا، نعثر على بعض التفاصيل الدقيقة مثل العيون والوجوه التي يعتني بها الفنان من أجل توجيه البعد اللوني، فرغم اعتماده على الفروقات اللونية بين الأشكال إلا أن انكبابه على تفصيل صغير فجأة يشير إلى التوازن بين الشكل واللون الذي يدأب عليه، ففي لوحة (ايه في أمل) التي تنتمي إلى السياق الشعري أو الشاعري نفسه، تلك الصرخة المتفائلة بذراعين مفتوحين ولون أخضر في وسط الجسد كناية عن التفاؤل حيث بالامكان اكتشاف ملامح العيون في تلك الشخصية، بينما في الخلفة تزدحم الوجوه والأجساد في حالاتها المختلفة والتي تقبع على أرضية من السواد القاتم في أسفل اللوحة بينما تبدو السماء بيضاء تتوسطها الشمس في إشارة إلى لحظات الانبلاج. الذاتي والعام يشتغل شهدا في لوحات المعرض على عناوين مختلفة تتنوع بين الذاتي والإنساني العام عدا عن لوحات الاحتفاء بالنص الدرويشي وصاحبه كما أسلفنا، فيرسم الشاعر عناوين مختلفة مثل (حراس النوم) و(فتاة في سن الحجاب) و(ذكريات شخص مجهول) و(ذكريات من باريس) ويظهر من هذه العناوين حضور الذاكرة بشكل قوي في أعمال الفنان، حتى في لوحة (باقة ورد لأشخاص غائبين) يستحضر شخصياته من الذاكرة مثلما فعل في أعمال أخرى، وهي مسألة أدت دائماً إلى بعدين في اللوحة واحد يصور الجانب الآني أو الواقعي أما الآخر فهو المخيلة أو التداعي الذي يحدث على سطح اللوحة، ففي ذكريات الشخص المجهول يشير الفصل اللوني غير الحاد بين الرجل الملتفت إلى جانب اللوحة وما يفترض أنه المخيلة بقربه، إلى حقيقة العنوان المقصود في هذا العمل، وكأن شهدا يعمل على سويتين في اللوحة الواحدة الأولية فيهما للمخيلة أو البعد الموغل الذي يتصل بالذاكرة أو محاولة استحضار الغياب واللحظات الهاربة التي يفقدها الإنسان فتصبح مجرد بعد لوني يتفاوت في وضوحه وتلاشيه لكنه يظل حاضراً بقوة في معظم اللوحات، وربما أثر هذا الأمر في خيارات شهدا اللونية حيث يمكن وصفها بالهدوء في معظم الأعمال باستثناء مساحات محددة تكون نافرة لونياً في كل عمل من حيث درجة إشباعها أو مجاورتها لمساحات من الفواتح والبياض، وكأن الشاعر بقدر ما هو هادىء في ألوانه تلك، إلا أنه يركز أيضاً على استثمار التناقض اللوني من أجل شد العين وإحداث نوع من التوازن البصري في العمل، لكنه في جميع الأحوال يبقى ميالاً إلى الشخصية اللونية الواحدة التي تنبع من روح الألوان نفسها في كل عمل مع استثناءات جعلته يلون رأس الشاعر بالأخضر في بعض الأعمال وربما شاء في ذلك الإشارة إلى الاتقاد وانطلاق المخيلة عند الشاعر لحظة كتابته الجملة الشعرية أو صياغته النص بشكل عام!. مهارات لونية يسلم الجميع لشهدا بمهارته اللونية، ففي المعرض تلوينات اشتهر بها الفنان في تجربته التشكيلية حتى صار موضوع العمل على اللون وتردداته المختلفة هو من بناء اللوحة لديه.. تلك المساحات المفعمة بالشعر والعناوين المثيرة، يحاول شهدا أن يجاريها بريشة أكثر مهارة وإصراراً على تشكيل الحلم المجسم والواضح للعيان، كي يشاهده الجميع!. المصدر : تشرين السورية |