إخفاء الوجوه! يقول المفكر اليساري الأمريكي «نعوم تشومسكي» عن غزو أفغانستان والعراق، إن هذا الحدث ذروة في انهيار منظومة القيم السياسية والأخلاقية والاقتصادية في العلاقات بين الشمال الغني والجنوب الفقير، وقد مثل ذلك انقلاب كبير أدى إلى ظهور ما يشبه ديانة رأسمالية غاية في الوحشية والنفاق في آن واحد وقد طغت هذه الظاهرة خلال العقد الأول من هذا القرن. للحد الذي جعل أصحاب هذه المنظومة لا يخفون وجوههم وهم يذهبون إلى أهدافهم دون غطاء سياسي أو أخلاقي يمت بصلة حتى لماضي ثقافتهم التنويري، ناهيكم عن الاعتراف ولو بالحد الأدنى بحق الناس والشعوب في الخصوصية في جميع المجالات دون استثناء فليس من حق أية دولة انتهاج سياسة مستقلة واتخاذ موقف الند في العلاقات الدولية. فقد تم على حد المزاعم التي كانت سائدة قبل تعثر المشاريع الأمريكية في الشرق الأوسط، إلغاء مفاهيم الحدود الجغرافية- السياسية للأمم والشعوب، وحلت في مكان ذلك مفاهيم وثقافة الشركات العابرة للقارات ورغم الحروب الغاشمة والمظالم الكبرى التي جاءت بها هذه الموجة الظلامية من الناحية الفكرية والإنسانية وحتى الاقتصادية ورغم الانحسار النسبي لثقافة تنمية القتل الجماعي والفوضى، فإن دعاة وقادة السطو الشامل ما زالوا يجدون في النفاق الأخلاقي والسياسي ما يسند ترسانتهم القديمة من جهة ويجعل مخالبهم من جهة أخرى أقل ظهوراً وبروزاً أمام الرأي العام العالمي وربما هذا ما يفسر كثرة الأحاديث عن القيم الأمريكية والغربية خلال أحداث ثورتي مصر وتونس إذ لا يكاد يمضي يوم واحد دون تذكيرنا بهذه القيم وكونها صالحة لكل الشعوب والأمم والجماعات والأفراد ولو كان الأمر يتعلق بموقف فكري أو ثقافي لفظي فإن القضية قد تبدو في إطار إعلان عن الذات أو التذكير بمفاهيم أخلاقية لكن كل من لديه عقل يستطيع التمييز جيداً بين ما تحمل الكلمات وما تخفيه من نيات استباحة حياة الشعوب والناس بالقوة المسلحة إذا تطلبت مصالح الغرب ذلك حينها يتم التدخل لإنقاذ الأرواح البشرية والحلقة التالية لهذه الإعلانات قتل ما لا يمكن إحصاؤه من الناس وإيقاع عذابات لا يتخيلها عقل قبل وقوعها بالملايين عندما تنشب نزاعات تشم منها روائح النفط أو المواد الأولية الاستراتيجية أو حتى شن الحروب للسيطرة المسبقة على الجغرافية السياسية للقارات والأمم. يوجد في واقع الحال الكثير من الكهنة المزيفين الذين يروجون: وسائل اعلام، مراكز أبحاث، مفكرون يؤلفون كتباً سياسية، بأغلفة فلسفية وذلك في ترسانة كبيرة تضع النقاط على الأرض التي سوف تسقط فوقها صواريخهم وهم في ذلك ليسوا فوق القانون الدولي والأخلاقي بل يمسكون هذا القانون من خناقه ولهذا السبب فهم بمنجى من أي حساب أو عقاب على ما يرتكبون، فدورهم ينحصر في «محاسبة» الآخرين بما في ذلك ضحاياهم لأن هؤلاء لسوء طالعهم كانوا أبرياء يعيشون في طرقات تمر منها دباباتهم. يقول الكثير من ذوي الضمائر في أرجاء العالم إن تهافت منظومة القيم الأخلاقية في الغرب قد أصبح فضيحة مدوية، وربما لا يلاحظ البعض أن هذا الانهيار لا يشمل القيم السياسية والأخلاقية بل يمتد إلى كامل المنظومة الفكرية والثقافية، فالولايات المتحدة والغرب يسمحون لأنفسهم بمحاسبة كائن من كان وعدم محاسبة من يشاؤون مهما ارتكب من فظائع كما هو الحال بالنسبة لتل أبيب فمن يستطيع محاسبة «أصحاب القيم!!» عن ملايين العراقيين والأفغان والفلسطينيين والسودانيين والكثير من الشعوب الأخرى، من أولئك القتلى واليتامى والمشردين أو التي تعصف بهم أزمات مميتة جراء تدخلاتهم الناعمة حيناً والعاصفة في الكثير من الأحيان؟! المصدر : تشرين السورية |