سلوى بكر: علينا إيجاد مهام حقيقية للثقافة سلوى بكر كاتبة مصرية تنتمي إلى جيل السبعينات، لديها ولع بالمكون التاريخي، وتثير في كتاباتها أسئلة تتعلق بالتاريخ وبوضع المرأة من خلال الشخوص والعوالم والعلاقات الإنسانية .
أصدرت العديد من الروايات منها “العربة الذهبية”، “لا تصعد إلى السماء”، “وصف البلبل”، “سواقي الوقت”، “البشموري”، وأخيراً “الآس والصفصاف” . والعديد من المجموعات القصصية منها: “زينات في جنازة الرئيس”، “إيقاعات متعاكسة”، “شعور الأسلاف” . ترجمت أعمالها إلى الإنجليزية والألمانية والإسبانية والفرنسية والصربية والصينية وهنا حوار معها . في روايتك الجديدة “الآس والصفصاف” تعودين إلى زمن الحملة الفرنسية، لماذا اخترتِ هذا الفترة تحديداً؟ لم أتعمد اختيار فترة بعينها، لكن اكتشفت أن فترة وجود الحملة الفرنسية في مصر قد قلبت الأمور رأساً على عقب وتحديداً المنظومة القيمية للمصريين وموضوع الرواية يتناول هذه المنظومة القيمية وما جرى فيها بفعل الحملة الفرنسية . وعنوان الرواية “الصفصاف والآس” هو اسم حديقة عامة أنشأها أحد أثرياء المماليك لتكون مزاراً ومكاناً للنزهة والترويح وكانت ملتقى ومكاناً مناسباً لمن يريد الائتناس . وعندما جاءت الحملة الفرنسية وجد المصريون أن الفرنسيين يروحون عن أنفسهم بالملهى الليلي . ورصدت في الرواية كل ما استوقف المصريين من قيم جديدة جاءت بها الحملة وسلطت الرواية الضوء على الهزة القيمية التي أحدثتها الحملة الفرنسية استناداً إلى قصة زينب بنت الشيخ خليل البكري نقيب الأشراف . هناك من يرى أن الحملة الفرنسية كانت محطة مهمة في مشوار التنوير أكثر مما كانت غزواً واحتلالاً ما رأيك؟ لا شك أن الحملة الفرنسية ذات طابع استعماري ولكنها فتحت عيون المصريين على ما يدور في العالم، وأنا أشبهها بما حدث لأهل الكهف الذين خرجوا ليكتشفوا أن العالم قد تغير، لكن الحملة جاءت إلى الكهف، ليكتشف أهله أن العالم قد تغير، وعندما أقول “المصريين” أقصد السواد الأعظم من الشعب المصري الذين سجل الجبرتي رؤيتهم للمتغيرات التي أحدثتها الحملة من خلال كم هائل من التفاصيل المتعلقة بالمجلس وإدارة الحياة اليومية وأسلوب الحياة الذي لم يعتادوه من قبل . لديك اهتمام خاص بالمكون التاريخي إلى أين وصلت بكل هذا البحث الروائي في التاريخ؟ توصلت إلى أن التاريخ يجب قراءته من خلال أكثر من بعد ومن منظور ويجب النظر في العلاقة بين الهوامش والمتون التاريخية ويجب قراءة التاريخ بعين الدهشة والتأمل أيضاً، وربما هذا هو الأهم التفكير مراراً في صدق الرواية التاريخية والتفكير في الرواية التاريخية التي لم تسرد بعد أو المسكوت عنها، فهذا ربما يكمل الصورة التي نستبين من خلالها حقائق غائبة وحقائق نعتقد أنها لم تقع أبداً . وماذا عن معمار الرواية؟ أنا أبني معماراً روائياً هو أقرب إلى البحث إن جاز التعبير حيث يستند هذا المعمار إلى جملة من الروايات التاريخية التي توضع في المتن والهامش وأبدي عناية بالهوامش التاريخية واستدعيها كمتون داخل النص الروائي . لكن هناك من يرى أن لجوء الكاتب إلى التاريخ هو نوع من الكسل والاستسهال على اعتبار أن وجود المادة الخام للعمل جاهزة في العمل التاريخي . . ما رأيك؟ الرواية التاريخية ليست حكاية وعلينا أن نفرق بين إعادة كتابة التاريخ والكتابة عن التاريخ فهناك فرق، وأنا أكتب عن التاريخ ولا أعيد كتابة التاريخ . والسؤال يعكس قصوراً نقدياً ومعرفياً يتعلق بالنقد والتاريخ، كما يعكس قصوراً في مفهوم الرواية التاريخية، ويعكس أيضاً نوعاً من التسطيح التنظيري، أنا أظن أن الرواية التاريخية من أعقد الروايات التي تتطلب خيالاً وبناء متخيلاً أكثر من أي نوع من الروايات، لأن الرواية التاريخية تعتمد بشكل أساسي على الجغرافيا التاريخية وهذا أمر صعب جداً عند بنائه روائياً . يلاحظ أنك ترسمين أو تبتكرين شخصيات فريدة في روايتك هل هذه الشخصيات محض افتراض أم هي واقعية؟ أنا أبتدع شخوصاً من الممكن أن توجد في الحياة وفي التاريخ وهذه الشخوض لها ملامح الفترة التاريخية والزمن التاريخي لموضوع الرواية، هذه الشخوص لا أستدعيها من خيالي المفترض ولكن أستدعيها من خيالي المتشكل من واقع المعطيات التاريخية والمدونات والثبوت التي يمكن أن تقدمها مرحلة من مراحل التاريخ . إذن هذا الابتداع ليس ابتداعاً مجازياً ولكنه ابتداع يستند إلى ما يمكن أنه كان . يتوقف الكثيرون أمام روايتك “البشموري” فهل تعتقدين أن هذه الرواية ظلمت مقارنة ببقية أعمالك؟ هذه رواية رائدة لم تكتب قبل ذلك في تاريخ الأدب المصري والعربي حيث تتناول فترة مسكوتاً عنها تماماً في تاريخ الأدب العربي، حيث تتناول تاريخ ثورة البشموريين المسكوت عنها في التاريخين الإسلامي والمسيحي وكان إذا ما تم تناوله يحدث هذا بتهميش كامل . هذا الأمر بدا للكثيرين جديداً وجاداً كما أن “البشموري” رواية وظفت بها عناصر فنية جعلتها عملاً متميزاً غير مسبوق كما قلت لأنها عبارة عن بانوراما لمرحلة وحقبة استبانت من خلالها ملامح ثقافية حضارية ليس لمصر ولكن للمنطقة العربية بالكامل . وهناك مستويات لقراءة هذه الرواية بعضها انثروبولوجي وبعضها يتعلق بالأحفورات اللغوية حيث تتضمن الرواية ست لغات على الأقل هي: المصرية القديمة، والقبطية، واليونانية والفارسية والسريانية والعربية . كما أن الرواية مليئة بكم معرفي هائل يتعلق بهذه الفترة الحضارية التي سبقت تحول مصر إلى دولة عربية إسلامية . ماذا عن رؤيتك الخاصة لثورة الشباب 25 يناير؟ هذه الثورة لا يكفي الكلام عنها في حوار ولكن يكفي أنها دفعت بمصر إلى حقبة جديدة بالكامل وأخرجتها من حقبة الانحطاط . وأتوقع أن تصبح مصر خلال سنوات قليلة دولة مختلفة تماماً . ولقد شاركت في هذه المظاهرات بميدان التحرير وقد أصيب ابني فيها ومازال يعالج حتى الآن ولقد شاركت في مظاهرات عام 1968 عقب هزيمة يونيو 1967 كما شاركت في مظاهرات عام 1972 المعروفة باسم الحركة الطلابية . هل تشعرين بالخوف على الثورة ونتائجها؟ بالتأكيد لدي عدة مخاوف على هذا الوليد الجميل من الانتكاسة من أن يتم احتواؤه من قبل قوى رجعية لها صلات قوية بالنظام السابق كما أخاف عليها من غياب الوعي وعدم القدرة على الاستمرار فيها . ما الدور المنوط بالمثقفين في المرحلة المقبلة؟ يجب على المثقفين إنتاج أفكار تعين هذه الثورة على الاستمرار وإيجاد مهام حقيقية للثقافة في هذه الفترة وضرورة الإيمان بأن الثقافة لابد أن تكون ضالعة في أي عملية نهضوية تحدث وتتم داخل هذا الوطن . المصدر : دار الخليج |