ادوارد سعيد شاهداً مسرحياً في «قراءة الخليل» في شباط فبراير عام 1994 أقدم مستوطن إسرائيلي يدعى باروخ غولدستين على قتل 29 مسلماً كانوا يصلون الجمعة في شهر رمضان في مدينة الخليل في الضفة الغربية، إضافة إلى إصابة 125 آخرين بجروح، في ما عرف عربياً بمجزرة الحرم الخليلي. الحكومة الإسرائيلية شكلت لجنة للتحقيق في المجزرة واستقبلت عدداً من الشهود للاستماع إلى إفاداتهم. وأغلق التحقيق على نتيجة مفادها أن مرتكب المجزرة، الطبيب الأميركي الأصل المهاجر إلى إسرائيل، مختل عقلياً. ألهم هذا الحدث الكاتب الكندي جيسون شيرمان كتابة نص مسرحي بعنوان «قراءة الخليل» قدم عام 1996 في مدينة تورنتو في كندا، واستلهمه أخيراً مسرح «أورانج تري» في لندن بإخراج البريطاني سام وولترز. مرت في شباط (فبراير) الماضي ذكرى وقوع هذه المجزرة، وربما كانت برمجة المسرح لهذا العرض مقصودة بغية شحذ ذاكرة جمهوره باتجاه عنف يحدث طوال الوقت في بلد يدّعي الديموقراطية، ضد شعب سلبت أرضه ولا يزال يتعرض للإبادة. كان مسرح «أوارنج تري» قدم عرضاً العام الماضي يناقش فيه وعد بلفور بعنوان «الوعد» للكاتب بن بروان. وهكذا يرتبط العرضان بخيط واحد، فكلاهما يذكر بالتواطؤ ضد الشعب الفلسطيني، دولياً وإسرائيلياً. الأول منح أرضاً لا يملكها لشعب غريب على حساب شعب الأرض الأصلي، والثاني يسمح بالعنف حيال هذا الشعب من دون اتخاذ أي موقف حازم. وهو ما يكشف عنه العرض الحالي الذي يذكرنا معتمداً على شهادات مدونة في التحقيق، ببعض الحقائق التي يتم التغافل عنها. ومنها مثلاً أن الحرس حول الحرم الخليلي الذي يفترض أن يكون بحدود ستة أشخاص، تقلص إلى حارس واحد فقط في ذلك اليوم. وأن اليهود، خصوصاً سكان المستوطنات لا يتم تفتيشهم للتأكد من حملهم السلاح، ولا تتم معاقبتهم على أي جريمة يرتكبونها ضد الفلسطينيين، بحجة أنهم دوماً يدافعون عن النفس. الشخصية المحورية في هذا العمل هو نيثان ابروموفيتش الكندي اليهودي الذي يحاول أن يكسر حدة التعتيم الإعلامي على هذه المجزرة. نيثان لا يحمل الجنسية الإسرائيلية ولا هو متدين، لكنه يشعر بأنه كيهودي علماني، متورط فيها في شكل وآخر، ويتحمل مسؤولية أخلاقية في العنف الإسرائيلي ضد الفلسطينيين. من هنا يقرر أن يطلع على مجريات القضية بنفسه، ويتصل هاتفياً بالجهة المعنية ليطلب من المسؤولين تمكينه من الاطلاع على ملف القضية. يتم ذلك، وهنا مشهد تتقاطع فيه قراءته للملف مع عرض إفادات الشهود عبر ممثلين آخرين. وكما جرت العادة مع مسرحيات أخرى في هذا المكان المحدود المساحة، يتصرف المخرجون برؤية بصرية وحركية تتغلبان على هذا العنصر في هذه المساحة التي يحيط بها الجمهور عن قرب. وبحسب رؤية سام وولترز في هذا العرض، لا يوجد هنا سوى مكتب عريض و كراس تجرى من حولها أحداث المسرحية. يكون هذا الديكور البسيط رمزاً للتعبير عن مكان رسمي مرة، مثل لجنة التحقيق الإسرائيلية، ومرة أخرى مكان عمل نيثان، أو بيته، أو بيت أمه في احتفال العائلة بعيد ديني. إنه ديكور غير محدد الجغرافيا ولا الزمن أيضاً. فعلى هذا المكتب تم وضع هاتفين ينطلق منهما رنين خلال غالبية وقت العرض، لنتابع مكالمات تسأل عن معلومة أو تناقش قضية عامة، أو تؤكد علاقة شخصية. ولن يضجر الجمهور من هذه المكالمات التي جعلها المخرج تتحول إلى حوار حي بين اثنتين من الشخصيات، ليعود ويذكرنا في نهاية المكالمة بأنها كذلك من خلال عودة كل منهما إلى وضع السماعتين على أذنه. وتتدخل الإضاءة بصورة متميزة في هذا العرض المحدود المساحة، لتوحي بسعته أو تركز على شخصية ما أو حركة معينة. «المحرقة، المحرقة»، هي الكلمة التي ترددت في هذا العمل على لسان الشخصيات التي تؤيد إسرائيل ولا تدين أفعالها حتى لو اقتنعت أنها خاطئة، خصوصاً الليبراليين من اليهود غير المتدينين، خوفاً من تكرار محاولة إبادة الشعب اليهودي. يستحضر النص شخصيات فكرية وسياسية، فلسطينية ويهودية كانت على قيد الحياة لحظة كتابته عام 1994، شخصيات تحضر للإدلاء برأيها، مثل ادوارد سعيد، حنان عشراوي، والأميركيين نعوم تشومسكي وسينثيا أوزيتش. وهناك كتب لهؤلاء على الطاولة يشار إليها في الحوار، وهناك صفحات من جريدة نيويورك تايمز وحوار مع أحد كتابها المنحازين لإسرائيل. الممثلون الخمسة في هذا العرض قدموا أداءً متميزاً في عرض استمر ساعة وأربعين دقيقة من دون توقف، خصوصاً الممثل أنتروبوس في دور نيثان. وتنوعت أدوار الممثلين الأربعة في شخصيات تجاوزت العشر، من دون تغيير في الملابس ومع إضافة اكسسوار بسيط من وقت لآخر، مثل قبعة متدين يهودي، أو شال على ظهر رجل دين إسرائيلي. عموماً نجح الممثلون في الإخلاص لمجمل الشخصيات التي أدوها، وكان على الجمهور مهمة متابعة التحول من شخصية لأخرى، ما يعني أن أي سهو عن المتابعة يشوش فهم جانب من العرض. ولعل هذا النوع من المسرحيات، ليس من النوع السهل أبداً، رغم حيوية العرض ونبرة السخرية المتضمنة في الحوارات والمواقف والتي تستدعي الضحك، إلا أنه يحتاج إلى يقظة شديدة في متابعة التفاصيل الكثيرة، وإلى معرفة معقولة لدى الجمهور البريطاني بتاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. المصدر : دار الحياة |