رائحة الكلمة صحيح أن الكلمة هي عماد أي معجم لغوي، لدى أيّ شعب في المعمورة قاطبة، إلا أن ثمة معجماً فريداً في خصائص هذه الكلمة نفسها، إذ إنها كانت منذ أول ناطق بها نابضة بمشاعر وأحاسيس الإنسان، وصورة عن حاجاته، ورمزاً لأحلامه، صغيرها وكبيرها . والكلمة بوصفها أداة لغوية، هي أشبه بالشجرة التي سرعان ما تتجدد أوراقها، في فضاء مكاني خاص، وكحامل ورافع للوعي البشري، ونتاج مباشر له، تحمل بين ثنايا حروفها، صائتة وصامتة، أسفار رحلة الإنسان، منذ بداية التاريخ، وإلى هذه اللحظة التي باتت الكلمة توسع فيها مداياتها ودوائرها، معتمدة من خلال ذلك على ما باتت تحققه التّقانة العلمية في سائر الميادين، ومن بينها ثورة الاتصالات والمعلوماتية، ليكون لهذه الكلمة أكثر من بعد، وأكثر من دويّ، أو صدى، وفعل . وبدهي أن المفردة المنطوقة التي ارتبطت بمراميزها على الدوام، واستخدمت على مرّ الدهور وحيوات الكائن البشري، كوسيلة للتواصل مع الآخر، وكعلامة واضحة على تاريخ الوعي، هي في المحصلة صورة عن روح الناطق بها، بل تحمل رائحة عبق اللحظة الراهنة، متلونة بطبيعة الحدث والمرحلة، لتكون بذلك مرآة عن اللحظة المعيشة، وعلاقة الناطق بها، بمن حوله مجتمعاً، وطبيعة، تعكس كل ذلك الحراك، وتغدو خطوطاً وترسيمات له، بل عتبة لمعرفة سيكلوجيا وأحوال الفرد والمجتمع، يحتكم إليها العلماء والدارسون، ليطلعوا على الكثير من التفاصيل حتى عمّن عاشوا مراحل موغلة في أعماق التاريخ، ولم يتركوا لنا إلا بقايا أبجدياتهم كجزء من الموروث الذي خلفوه . إن أية عودة إلى المعجم اللغويّ لأية مرحلة زمنية، والمعجم بهذا المعنى نتاج لحظة محدّدة، داخل سيرورتها الزمنية، وإن كانت هذه اللحظة مفتوحة ومتواصلة، مع ما قبلها، بل ما بعدها، ضمن متوالية خاصة، تدفع بنا لنكون-باستمرار- أمام معجم داخل آخر، إلى ما لا نهاية لذلك . ضمن هذا المنظور يمكن تناول الكلمة من خلال مفهومي: الثابت والمتحول، حيث يظهر ما هو محافظ على دلالته اللغوية، إلى جانب ما يتمّ إدراجه في مدار الانزياحات، ناهيك عما يغدو في حكم الدارس، أثراً بعد عين، مجرد شاهد على طوائف من الألفاظ المنطوقة التي تتجاوزها دورة الحياة . وعلى الرغم من كل هذا، فإن مثل هاتيك المفردات التي باتت تؤرشف في بطون أمّات المعاجم، والمدونات، لتحمل دلالات ومراميز تتعلق بلحظتها الغابرة، لتصبح جزءاً من سجل لا متناهٍ، يحيل إلى تلك اللحظة نفسها، كما أن الملفوظ المتداول يومياً ليحمل رائحة مجريات فضائه، ضمن معادلة علاقتها بإنسان هذا الفضاء نفسه . من هنا، فإن الكلمة لتتجدد وفق معادلتها الدلالية الخاصة، لتغدو مفتوحة على الحياة الرحبة، كلسان حال على الراهن، ضمن خطّ تحولاته المستمرة، الأمر الذي يربطها بالحدث، صغيراً كان أم كبيراً، من خلال شبكة ووشائج خاصة، لتغدو حاضنة لما هو يومي، من دون أن تضيق به البتة، وهو ما يسجل أهميتها، وحساسيتها، واستمرارية دورها، ليس كسجل لما يتم، بل كأداة رئيسة لا غنى عنها للإنسان في التعامل مع محيطه، والإسهام في عملية البناء الحضاري، ناهيك عن دورها ضمن أية عملية تغيير للمصلحة العليا لهذا المجتمع أو ذاك . المصدر : دار الخليج |