منذ زمن طويل لم أنظر للقمر، منذ زمن طويل لم ينظر أحد من أصدقائي للقمر، الكل يتحدث في أي شيء، قد تجد بين الناس من يحب العراك الفكري. فيمضي الأيام وهو يحضر لشن هجمة فكرية هنا وهجمة فكرية هناك، ولكنه أيضاً إذا سألته منذ متى لم تنظر للقمر أجابك والذهول يخيم عليه: (القمر)!
حتى العشاق الجدد الذين يتوافدون إلى ساحة الحب إن سألتهم عن القمر فإنهم سيحدثونك عن قمر مخبأ في الدفاتر لا قمر في السماء، حتى هواة الفلك قد لا يتعرفون على الوجه الآخر للقمر، أو كيف يبدو القمر؟
إنها الحياة اليومية التي تأخذنا نحوها فترانا، ننظر للأرض التي نمشي عليها، نراقب أرجلنا التي تهرب نحو العمل،ثم تهرب من العمل، فقط ننظر للأسفل!
أخذني إلى القمر الروائي ميلان كونديرا في كتابه الجديد (لقاء) وهو عبارة عن مجموعة مقالات وتحليلات تخص قضايا فكرية وثقافية ونفسية، ففي قراءته للوحات رسام يدعى بريلور يتحدث كونديرا عن القمر في لوحات هذا الفنان فيذكر: (في جميع لوحات بريلور نجد القمر هلالاً متواضعاً بشكل أفقي، وتتجه نهايتاه المدببتان إلى الأعلى، مثل جندول يطفو فوق أمواج الليل، ليست هذه نزوة خيالية من الرسام، ذلك هو القمر في المارتينيك فعلاً،القمر في أوروبا يمكث واقفاً: إنه عدواني، شبيه بحيوان ضار صغير، جاهز للقفز، أو إذا شئتم، شبيه بمنجل مشحوذ على أكمل وجه. قمر أوروبا هو قمر حرب، لكنه في المارتينيك مسالم وهادئ، ربما لهذا السبب أضفى إرنست عليه لوناً دافئاً مذهباً، إنه في لوحاته التي تتناول الأساطير يمثل سعادة بعيدة المنال).
ويتابع كونديرا: (ثمة أمر عجيب: أتكلم مع بعض المارتينيكيين، ويتضح لي بأنهم لايعرفون الهيئة التي يبدو عليها القمر واقعياً في السماء، أسأل الأوروبيين: هل تتذكرون القمر في أوروبا؟ ما شكله عند ظهوره، وما شكله عند غيابه؟ إنهم لايعرفون، لم يعد الإنسان ينظر إلى السماء).
عفواً كونديرا ليس القمر فقط لم يعد ينظر إليه الإنسان، فالشجر والورد (على قلته) لم نعد ننظر إليه، لم نعد نعرف ماذا يقول لنا الشجر؟ أو ماذا يقول لنا الورد؟
لم نعد ننظر للوجوه، تذكروا متى نظرتم إلى آخر وجه محيط بكم، النظر الذي نعنيه ذاك النظر الإنساني، النظر الشبيه بالتأمل، إنه زمن الجيوب والمصالح الصغيرة والكبيرة، إنه زمن النظر للحاسوب، في المقهى لم تعد الناس تنظر لبعضها البعض، وهذا ليس عائداً إلى فورة أخلاقية جديدة، الكل ينظر بحاسوبه الشخصي، منذ مدة سافرت إلى مسقط رأسي كان عدد الحواسيب في الباص أكثر من خمسة، لم يعد مشهد أنثى تجاورك في المقعد مشهداً مثيراً أومحفزاً للكلام، ذلك أن الحاسوب أهم!
عفواً نعود إلى كونديرا حيث يقول: (نزل القمر المهمل إلى لوحات بريلور. لكن من لم يعد يراه في السماء لن يراه كذلك في اللوحات. أنت وحيد يا إرنست. وحيد مثل المارتينيك وسط المياه، وحيد مثل لوحة لفان كوخ تحت أنظار السياح الغبية، وحيد مثل القمر الذي لايراه أحد).
مسألة أخرى غير القمر الذي لاننظر إليه، إنه زمن التلفزيون، زمن الفضائيات.. الوقت الذي نمضيه أمام التلفزيون يكفينا للحصول على عدة شهادات دكتوراه.
إنها الشاشة التي أعادت صياغتنا من جديد، لم تعد العواطف هي العواطف؟
ولم تعد المشاعر هي المشاعر، كل شيء يجب أن يمر عبر الشاشة وكل ما نحتاجه هو مراسل وكاميرا وتقرير صغير عن آخر ابتكارات الميديا، انتبهوا أيها السادة حتى النساء لم تعد تنظر للمرآة؟ هل انتبهتم إلى هذه الملاحظة؟.