اللغة هي الحياة على الرغم من إقامة حملات توعية بأهمية اللغة العربية، وتخصيص أيام وطنية وعالمية لحمايتها والدفاع عنها، لكنها لا تزال تمر في مراحل المعاناة نفسها التي مرت بها قبل التوصل إلى مثل هذه الأفكار العلاجية . ولا تعني إقامة الحملات بأن النظرة السائدة تجاه اللغة واستخدامها سوف تتغير في يوم وليلة، لكنها محاولات للتذكير والتوعية بأهميتها، ومثل هذه المحاولات قد تنجح ضمن حدود منتج إعلاني أو دعائي معين . أما فيما يخص اللغة، وهي عنصر أساسي من عناصر هويتنا الوطنية وكينونتنا الإنسانية، فهو أمر أجده يبتعد عن المفهوم الأساسي لكيفية التعامل معها، والتواصل معها من منطلق “الحب” لا أكثر . إن الخطأ الشائع الذي نرتكبه بحق لغتنا العربية هو في كوننا قد حولناها إلى مجرد مادة للدراسة وأخفقنا في النظر إليها على أنها لغة “حياتنا اليومية ومشروعاتنا المستقبلية وحبيبتنا الأثيرة التي تسكن في قلوبنا ونعشق تفاصيلها ونغار عليها ونقاوم كل من يحاول اختطافها منا أو إبعادها عنا” . وهذا الخطأ يأتي من قبلنا من دون وعي، حيث إننا ننظر إلى الأخطاء اللغوية الكثيرة من حولنا وندقق في الكلمة والحرف، نظرة القشة التي قصمت ظهر البعير، وننسى تماماً أننا حينما نتحدث مع الآخرين فإن لغة الحوار تكون مسترسلة تماماً حينما تنحو منحى التهجين ومزجها بلغات أجنبية عدة لتثبيت المعنى وتوضيحه لأنفسنا ولمن يسمعوننا وبأننا إن أحببنا لغتنا بصدق، فهي ستسكن ألسنتنا ولن نسمح لسواها بالتأثير علينا مهما كانت أجمل أو أقوى أو أكثر انتشاراً . وصرنا نخرج على من كتب عبارة خاطئة خروجاً معاتباً ولائماً لأنه قد قضى على اللغة العربية “لغتنا وهويتنا”، ولأنه لم يدرسها جيداً قبل أن يكتبها ويقدمها لنا . ولو أننا دافعنا عن لغتنا العربية ضمن أنفسنا أولاً، دفاعاً شرساً، لايتيح لنا الفرص للتسلل خارج حدودها واقتباس العبارات أو الكلمات من أية لغات أخرى، ولو أننا كنا أكثر ثقة بها وبمقدراتها وبما تملكه، ولو أننا حرصنا حرصاً شفافاً مطهراً من كل شوائب التجاوزات الوقتية، ولو أننا صدقنا بأن اللغة هي لغة “الحياة” وليست لغة الكتب فقط، وبأن الكلمات التي نعجز عن تذكرها بلغتنا هي الطعنات التي ننهال بها على ظهرها المباح لنا، لكانت لغتنا العربية بخير، ولم تكن بحاجة إلى حملات دفاعية أو حتى للتفكير بأنها يمكن أن تصل إلى درجة المعاناة بين أبنائها ذات يوم . اللغة هي الحب، قبل أن تكون كلمات في رسائل رسمية، وحينما نحب فنحن نعطي بلا مقابل ولا ننتظر عطاء ممن نحبهم . فالوحدة والضجر كفيلان بتذكيرنا بما يمكن أن يجلبه لنا الحب من سعادة . ولو أننا نظرنا إلى “لغتنا” نظرتنا إلى الحب، وعشقنا تفاصيلها وكل حروفها، وفكرنا بها كلما تحدثنا وكتبنا وقرأنا، ووضعناها في مخططات يومياتنا، ورجعنا إليها رجوع محب إلى حبيبه، سوف نضمن رجوعنا إليها، رجوعنا الأسمى والأبقى والمخلد في الروح قبل كل شيء . المصدر : دار الخليج |