الفرد والجماعة قد يكون تاريخ الفن عموماً، والمعاصر على وجه الخصوص، مجالاً لقراءة التحولات التي حدثت في علاقة الفرد بالجماعة، أو مجالاً لفهم تطور التاريخ الإنساني نفسه بناء على تحولات العلاقة التي تربط الفرد بالجماعة، وفي هذا السياق قد يكون مهماً الإشارة إلى أن السرديات، وخاصة الرواية، قد أسهمت في الإضاءة على تطور مجال الاجتماع الإنساني في سياق الحداثة، وهي حداثة تجاوز عمرها اليوم أكثر من ثلاثة قرون، وقد مرت بمحطات مهمة كان لها أثر كبير في إنتاج علاقات جديدة، وهي علاقات شكلت صميم الفنون والآداب المعاصرة من تشكيل ورواية وسينما، ولم يكن المسرح أو الشعر ببعيدين عنها . وساعة الحديث عن دور الحداثة في تغيير طبيعة الاجتماع البشري يمكن القول إن الحداثة أدخلت مفاهيم جديدة لم يكن من الممكن إلا أن تكون فاعلة ومؤثرة في تطور النظرة إلى الفرد، حيث لم يعد مجرد رقم في آلة المجتمع الكبير، وإنما بات المجتمع يعرّف بالفرد نفسه، كما أن العقد الاجتماعي أصبح نتاجاً لمجموع إرادات الأفراد، وقد كانت ممانعة المؤسسات التقليدية الأوروربية قوية في وجه ذلك التحول، لكنها سرعان ما خضعت لقوة التحولات وعمقها، كما أنها راحت تؤسس لمكانة جديدة لها وفقاً للمكانة الجديدة للفرد . من جهة أخرى عرف القرن العشرين ظهور موجة تمرد قوية في الفن لمصلحة الفرد، وراحت الفنون والأفكار تنصب على البعد الوجودي، واعتبره البعض مثل الكاتب والفيلسوف جان بول سارتر محوراً وهدفاً لأية حالة تغيير، ورغماً من وجود ضفة أخرى آنذاك كانت تروج أيديولوجياً وفنياً وأدبياً تحت عنواني الواقعية والواقعية الاشتراكية للجماعة بوصفها المثال الأعلى، إلا أن الأدب الأوروبي ظل يطرح وجود الفرد واغترابه بوصفها المسألة الأكثر أهمية لإدراك التحولات العميقة التي شهدها العالم، وإذا كان العرب قد تأخروا في إنتاجهم آداباً وفنوناً يكون الفرد محورها فإن مرد ذلك لظروف تتعلق بالقضايا التي وسمت المناخ العام مثل التحرر وبناء الدولة الحديثة وفك الارتباط عن الغرب ومسألة العدالة الاجتماعية، إلا أن الشعر والرواية والتشكيل خلال العقدين الأخيرين تناولوا بشكل مطرد اغتراب الفرد عن الجماعة، وخاصة اغتراب المثقف التنويري الذي وجد نفسه بين فكي كماشة تشكل المؤسسة الرسمية الثقافية أحد أقطابها والفكر التقليدي قطبها الآخر، وكل ذلك في ظل تراجع المشروعات العربية الكبيرة ما أوحى بأن مأساة الفرد المثقف هي تكثيف لمجمل التردي العام . من البدهي أن علاقة الفرد بالجماعة في ظل وسائل الاتصال الحديثة قد شهدت نوعاً من التغير، حيث أصبحت الشبكة العنكبوتية بمثابة فضاء حر يشكل فيه الفرد عالمه، ولم يعد ممكناً لهذا الفرد أن يتنازل عما حققه له هذا الفضاء الذي أنتج جملة من الاحتياجات الجديدة، كما أنتج فعالية جديدة في عملية التأثر والتأثير بين الفرد والمجتمع، ما يجعلنا نقول إن رصد تطور هذه العلاقة يشكل مفتاحاً لفهم بنية الثقافة الجديدة التي راحت تتشكل تحت قوة وسائل الاتصال . المصدر : دار الخليج |