مجال البحث
المكتبة التراثية المكتبة المحققة أسماء الكتب المؤلفون القرآن الكريم المجالس
البحث المتقدم ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث البحث في لسان العرب ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث إرشادات البحث

خليل النعيمي: الغرب يعيش حالة جفاف فكري كامل

طاف الكاتب الطبيب السوري خليل النعيمي العالم يفكر في حكاياته وما وراءها، لم يستغرقه الشكل بحيله وخدعه لكن استهواه إبداع الحياة فخلق نصوصا روائية، غيرته وغيرت من قرأها، فهو يكتب ليؤثر لا ليحكي حكاية، فالحكايات في نصوصه الروائية كانت كموسيقا هادئة تأتي من مكان ما بين سطور الروايات . . في حوارنا معه ندخل إلى عالمه الإبداعي الخلاق لنسأله لماذا تعترينا كل هذه الدهشة ونحن نقرأه؟

 لك إنجاز مهم في “أدب الرحلة” كيف أثر السفر المتواصل في تكوينك وفي حضور الأمكنة بهذا الشكل في كتابتك؟

 السفر هو المحطة الأساسية في تكويني ووعيي، لأنني بعد أن عشت في باريس وكتبت مجموعة من رواياتي فيها كان اكتشافي لأدب الرحلة يكاد يكون صدفة، مما دفعني في ما بعد إلى القول إن الكائن لكي يكتمل بحاجة إلى عاملين: الزمن والصدفة، لأن الصدفة قد تحمل إلينا بعض الناس الجذريين الذين يتمتعون بقدرة نقدية فائقة للمجتمع والحياة وقد تجمعنا بناس تافهين ومبتذلين والزمن الذي يلزمنا لكي نتطور عامل آخر أساسي، إذن الزمن والصدفة عاملان أساسيان لكي يتطور الكائن ويتقدم في حياته، وعندما دعيت ذات يوم إلى اليمن من أجل عمل جراحي هناك، وقبل هذه الدعوة لم أكتب نصا عن أي مكان لكن أثناء هذا السفر وعندما بدأت الطائرة تحط في أرض اليمن بدأت انظر من النافذة وأرى تلك الجبال المحروقة التي تبينت لي وكأنها خرجت للتو من حريق كوني هائل لا يزال مشتعلا ولكن في الأعماق، وخطرت لي أفكار للكتابة عن هذا وبدأت أكتب عن اليمن وأصدرت فيما بعد “مخيلة الأمكنة” وضمنتها ما كتبته عن اليمن بعنوان “عشرة أيام في اليمن هزت الروح” وبالفعل كان نصا مؤثرا بالنسبة لي حتى بعد أكثر من عشر سنوات مرت عليه عندما أقرأه من جديد، وبعد تلك الحادثة بدأت أشعر بأنني بحاجة إلى الأمكنة كحاجتي إلى الكائنات، وهذا ما دفعني أن أقوم برحلات حول العالم وأكتب عن الأمكنة التي أزورها وأصبحت كتابتي عن المكان شيئا أساسيا لأنني لا أتذكر مكانا لا أكتب عنه، وعندما أكتب عن المكان فأنا أحفظه في ذاكرتي وأتصور أن العلاقة بالأمكنة بالنسبة لي والعلاقة مع الكائنات الأخرى علاقة لها بعد حسي يمنحنا عندما نتعمق فيه أبعادا جميلة وعميقة في الحياة، وعن أنفسنا بالذات، وعن مكاننا الأول أي عن أوطاننا، فالإنسان لا يمكن له أن يتوصل إلى فهم عميق للمكان الذي يعيش فيه إلا برؤيته لأمكنة أخرى جديدة . 

 حدثنا عن مغامراتك في الكتابة والتجريب .

 أعتبر نفسي إلى الآن كاتباً تجريبياً ولا يمكن للكتابة أن تستقر نهائيا على شكل محدد بالذات، والكتابة التجريبية بالنسبة لي لا تعني تقييما إبداعيا لكن تعني حالة كتابية محددة، أقصد أنني عندما زرت القاهرة أول مرة شعرت بشيء ما ينبثق في نفسي وكنت أكتب رواية اسمها “المحتمل آنذاك” “تشريح العالم” لأن القاهرة تمثلت لي بشكل لم أكن أتصوره أنا، لكن النص تحول إلى نصوص أخرى، وهذه الانتقالية من فكرة في النص إلى نص آخر مختلف كليا هو ما اسميه أنا الكتابة التجريبية لأننا لسنا ثابتين ولا نتقوقع حول مكان واحد أو رؤية واحدة وهو ما يعمق وعينا يوماً بعد يوم بحياتنا وبالعالم وبالأمكنة التي نحط فيها، وهذا التدرج والانتقال والإزاحة من مكان إلى آخر ومن وعي إلى آخر ومن شعور إلى آخر هم مصدر هذه الكتابة التجريبية الإبداعية . 

 قلت إن الاستغراق في إبداع الشكل يلهي عن المساهمة في إبداع الحياة وأننا نكتب لنتغير جذريا لا شكليا ماذا تعني بهذا؟

 أنا شخصيا بدأت أخاف من التقليد العربي للأشكال الأدبية السائدة في الغرب لأننا لا نعيش نفس الظروف وليس لنا نفس الحياة ولا نفس الأهداف محليا على الأقل  ولكن بالنسبة للكوكب المائي  وليس الأرض لأن الأرض هي جزء بسيط جدا من الماء، أي ونحن نعيش فوق الكوكب المائي هذا لدينا أهداف أخرى للحياة، لكن بالنسبة لحياتنا اليومية ولأوطاننا وبلادنا عندنا أهداف مختلفة، وأنا بعد سنوات طويلة من حياتي في الغرب أدرك وأؤمن بأن الغرب أصبح في حالة جفاف فكري كامل ليس بسبب طاقة البشر على الإبداع وليس لأن الغربيين لا يهتمون بحياتهم أو مستقبلهم ولكن لأن الحضارة البرجوازية دخلت في دورها الهابط أو دخلت في مرحلتها النهائية  على الأقل فكريا  لأن النمط البرجوازي الذي عمر الكوكب المائي وصل إلى نهاياته كما أتصور حاليا لكن قد ينبثق من هذا التوقف الفكري  لا أعرف متى  شيء آخر .

فالكتاب في الغرب اليوم بدؤوا يلجؤون إلى الأشكال المسطحة عندما يروون أو يقصون وهم لا يعانون حاليا كما نعاني نحن لأننا في الوطن العربي لا نزال مستعمرين في فلسطين، وهذا الاستعمار الغاشم هو أحد أشكال الاستعمارات التي كانت تسود العالم في القرن السادس عشر وعلى سطح الكوكب الأرضي لم يعد هناك أي بقعة في الأرض محتلة مثلما تحتل فلسطين وإزاحة شعبها وقتله، وهناك مشاكل تتخلق في نفس الكاتب العربي أو من المفترض أن تؤثر فيه لأننا لا يمكن أن نغمض أعيننا عما يحدث في عالمنا العربي، إضافة إلى القمع الممارس علينا من قبل السلطة العربية .

أي عندنا مشاكل أساسية لا يمكن أن نواجهها باختراع أشكال بهلوانية والاعيب شكلية من دون أن نضمنها أفكاراً جديدة، وأنا لست ضد الشكل وأتصور أن قضية الشكل والمضمون مسألة أكاديمية بحتة ويجب أن يقوم بتدريسه أساتذة جامعيون غير مبدعين، كما أنني عندما أمارس العمل الجراحي لن يكون مطلوبا مني أن أرسم لوحة وإلا سيموت المريض، وإنما علي أن أعالجه وكذا على الأساتذة الجامعيين عندما يحللون ويكتبون عن الموضوع وعناصره الأولية وشكله ومضمونه، لكن نحن عندما نكتب علينا أن نكتب وكأننا نواجه حالة في المجتمع أو في ذواتنا وعلينا أن نواجهها ونحلها ونعالجها .

 الرواية فن الكذب والكذب ليس شكلا وإنما هو فكر كيف يصنع الكذب كل هذه العوالم الروائية الجميلة وكيف سيكون هذا الفن لو توقفنا عن الكذب؟

أقول ليس هدف الكتابة قول الحقيقة ولا مطابقة الواقع وإنما التحريض وبهذا المعنى فإنه يكون مهمة أساسية وأنه في الحياة  كما في روايتي الأخيرة  إذا حذفنا الكذب من الحياة سنقضي عليها نهائيا لأن الحقيقة بحد ذاتها كذبة لكنه كذب نستطيع أن نتحقق منه، وهناك كذب لا نستطيع أن نتحقق منه وهو السائد أو الذي يجب أن يسود في الأدب، لأننا عندما نصف الأصفر بأنه أصفر فهذا شيء انتهينا منه، إنما الكذب الذي أقصده أن يتحرر الكاتب من سيطرة وهم الحقيقة عليه، وألا نخاف من الكذب، وفي روايتي “الخلعاء” أحكي عن أنه لا يصلح الخطأ إلا الخطأ الأكبر منه وأن الكذب في التاريخ له دور أساسي كما للحقيقة وقد يكون دور الكذب في التاريخ وفي تطوير هذه الحياة أهم بكثير من الحقيقة لأن الحقيقة محدودة وصغيرة وواضحة ومنتهية، أي إن ما نعيشه الآن هو الكذب أما ما عشناه فهو الحقيقة .

المصدر : دار الخليج