الرواية الفلسطينية في الضفة وقطاع غزة إن الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، الذي أدى إلى حالة من التشتت والانقسام الفلسطيني، لم ينعكس فقط على الأوضاع السياسية والاجتماعية. بل طال الأوضاع الأدبية والفكرية، فوجدنا دراسات كثيرة تتحدث عن الواقع الأدبي الفلسطيني، ليس في فلسطين كواقع وحدود جغرافية محددة، وإنما جاءت الدراسات مقسمة حسب التقسيمات السياسية التي فرضتها سياسة الاحتلال، فضلاً عن الأدب الذي ظهر في دول الشتات، وقد كان لنا سابقاً وقفة مع الرواية الفلسطينية في غزة والجليل، واليوم سنسلط الضوء على واقع الرواية الفلسطينية في غزة، وقطاع غزة من خلال قراءة كتاب (الرواية الفلسطينية في الضفة وقطاع غزة)، للكاتب يوسف ذياب الشحادة في الفترة الزمنية الممتدة ما بين 1967-1993م، هذه السنوات التي خلقت ظروفاً استثنائية للإنسان الفلسطيني في مختلف المجالات: السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والأدبية. والتي اختلفت بشكل أو بآخر، عن تلك التي عايشها الإنسان الفلسطيني في فلسطين 1948 والشتات. الرواية الفلسطينية قبل عام 1948 يتناول المؤلف في الفصل الأول واقع الرواية الفلسطينية قبل عام 1948، مع الإشارة إلى أهم روايات تلك الفترة، معتبراً رواية (الوارث) للكاتب خليل بيدس، ورواية (مذكرات دجاجة) للدكتور إسحق موسى الحسيني، أهم الروايات الصادرة في تلك الفترة، وأن ما تبقى من الروايات يصلح للدراسة التاريخية لموضوع الرواية، ثم انتقل للحديث عن الرواية الفلسطينية في الفترة الزمنية بين 1948-1967، وأثر الأحداث فيها على الحياة الأدبية الفلسطينية بشكل عام، وعلى الحياة الروائية بشكل خاص، وحسب رأيه أن الرواية في تلك المرحلة «لم تكرس سوى اسم واحد هو غسان كنفاني الذي قدم عملين متميزين هما: (رجال في الشمس)، ثم (ما تبقى لكم)»، كما ظهرت في هذه المرحلة الأعمال الروائية لجبرا إبراهيم جبرا، المتمثلة في (صراخ في ليل طويل)، ورواية أخرى هي (صيادون في شارع ضيق) التي كتبت بالإنكليزية أولاً، ومن ثم ترجمت إلى العربية. أما الرواية الفلسطينية بعد هزيمة 1967 فقد شهدت صمتاً واضحاً، وحسب الإحصائيات التي ذكرها المؤلف فإن الإنتاج الروائي في الضفة وقطاع غزة قد تأخر كثيراً، فقد صدرت أول رواية عام 1974، أي بعد سبع سنوات من الاحتلال. وما ينزاح على الرواية الفلسطينية خلال هذه المرحلة ينزاح على غيرها من الأجناس الأدبية، وخاصة النقد المنهجي الذي لم يسجل أي حضور يذكر في المشهد الأدبي النقدي، باستثناء بعض الدراسات التي ظهرت على صفحات المجلات والجرائد. ويشير المؤلف إلى ملاحظة على غاية من الأهمية تتمثل بوجود نوع من التراخي الزمني بين تاريخ صدور الرواية، وبين صدور الدراسات النقدية التي تناولتها، حيث أن هذا التراخي لا يقدم فائدة كبيرة للروائي، بسبب ابتعاده زمنياً، عن تاريخ كتابة الرواية. الموضوعات التي تناولتها الرواية الفلسطينية قبل هزيمة عام 1967 كان الفلسطيني يترقب أملاً، يتمثل في الانتصار على إسرائيل، وتحرير ما تمَّ احتلاله عام 1948، لهذا جاءت الهزيمة صدمة حضارية واجهت الإنسان الفلسطيني، معلنة انهيار أبنية فكرية وحياتية عاشها فترة من الزمن في ظل أوضاع كهذه، حيث كان الاحتلال الإسرائيلي الهاجس الأكبر أمام الفلسطينيين، وتحت إكراهات الواقع الجديد وإفرازاته المختلفة، بدأ الكاتب الفلسطيني إنتاجه الروائي، في وقت تتداخل فيه الهموم العامة المتمثلة في الاحتلال، وما نتج عنه من تغيير على أرض الواقع، والهموم الخاصة للأديب نفسه، وقد شهدت الرواية الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة تداخلاً في الموضوعات في قسم كبير منها، باستثناء القليل، التي خصصت معظم بنائها الروائي لمعالجة موضوع محدد، ولم يمنع هذا التداخل أن يشغل موضوع محدد حيزاً في مساحة الروايات أكثر من غيره من الموضوعات، ويرى المؤلف أن الموضوع السياسي- الوطني كان الموضوع الأكثر حضوراً في الرواية، ويأتي الموضوع الاجتماعي في المرتبة الثانية من حيث التناول، وإن كان مندمجاً في البناء الروائي مع موضوعات أخرى، وعلى الرغم من أهمية الموضوع التربوي، إلا أن الروايات لم تمنحه الاهتمام الكافي، فكان ظهوره متواضعاً في الأعمال الروائية، كما شغل موضوع المرأة حيزاً كبيراً من الروايات، ولكنه لم يكن مستهدفاً بحد ذاته إلا في الأعمال الروائية الخاصة بالكاتبة سحر خليفة التي أظهرت اهتماماً كبيراً بموضوعة المرأة. أما الانتفاضة فقد تناولتها بعض الروايات على الرغم من كونها حدثاً آنياً لمّا ينته بعد، وقد اختلفت طرق تناولها، فبعض الأعمال ركز على إيجابيات الانتفاضة، وبعضها الآخر ركز على سلبياتها. البيئة التي نشأت فيها الرواية سجلت البيئة بأنواعها المختلفة حضوراً في الرواية الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وقد اختلفت طرق تناول هذه البيئات لاعتبارات تتعلق، بثقافة الكاتب، ومستواه العلمي والاجتماعي والاقتصادي، فضلاً عن طبيعته النفسية التي ينظر من خلالها إلى البيئة، وكيفية تعامله معها إيجابياً أو سلبياً، وقد عمد المؤلف إلى تصنيف البيئات التي ظهرت في الروايات الفلسطينية إلى (بيئة المدينة، بيئة القرية، بيئة المخيم، بيئة السجن)، وتبدو بيئة السجن التي عبر عنها الكتّاب أكثر اختلافاً، كونها تتعلق ببيئة أكثر بؤساً وشقاءً، وقد اختلف التعبير عنها باختلاف نوعية المعتقلين في السجون الإسرائيلية فهناك السجين السياسي، والسجين العسكري، بالإضافة إلى السجين الإداري، وعكست الروايات الفلسطينية بيئة السجن إما من خلال تجربة شخصية للكاتب أو مما سمع وعايش. وختم المؤلف كتابه بدراسة بنية الرواية الفلسطينية توصل فيها إلى أن السرد تمَّ بوساطة السارد، ومن خلال الاعتماد على ضمير الغائب (الهو)، وأن قسماً قليلاً من الروايات تمَّ السرد فيها بوساطة ضمير المتكلم (الأنا)، ولا يوجد إلا رواية واحدة، جرى السرد فيها بوساطة ضمير المخاطب وهي رواية (تداعيات ضمير المخاطب) للدكتور عادل الأسطة. المصدر : جريدة تشرين السورية |