أوراق ..التناقض الفادح ينشغل الغرب بصفة دائمة في أمور كثيرة، لعل أهمها أمام وسائل الإعلام تظهير صورته وثقافته وقيمه ومركزيته في تحديد معاني كل المفاهيم والمواقف من جميع القضايا بما في ذلك الحق والحرية والعدالة، ومكانة الانسان ومن النادر أن يتم الانتباه إلى مدى التناقض الفادح في هذه الثقافة التي تسوق بشكل يومي على نطاق عالمي.. وقد دفعت العولمة هذه المركزية إلى المدى الأقصى بحيث تحولت الكثير من المؤسسات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والاعلامية في اتجاه واحد، وان بدا أنه يحوي الكثير من التفاصيل، إذا أراد الانسان البحث في هذه المسألة أو تلك، فما يبدو أنه تفاصيل ربما يدخل في نطاق اعتبار البشر، من دون ذاكرة للحد الذي يجعل داعية الحروب والدمار والاستهانة بالانسان وقيمه وحياته، في حالات كثيرة قادراً على أن يكون في الوقت نفسه ليس مدافعاً عن القيم الإنسانية فقط، بل أيضاً هو الذي يصنع معانيها وحدودها وميادينها، فما يدخل في باب الحرية والحقوق في هذا المكان يظهر في مكان آخر على أنه ارهاب، أو نزعة وحشية لسفك الدماء أو أية تعابير من تلك التي تدخل في إطار شيطنة دول، أو مجاميع أو أفراد أو حتى مذاهب فكرية وبعبارة أخرى فإن هذه الثقافة ذات الوجوه المتعددة تمنح الولايات المتحدة ومن يتحالف معها حقوقاً كونية في وضع الأطر ومعايير السلوك وصحة أو خطأ الأفكار والآراء، وهذا ما يمكن أن يلاحظه الإنسان جيداً إزاء أحداث بعض الدول العربية مثل تونس ومصر وليبيا، فالذي يحدد بوصلة المواقف هو قيم تجارية بحتة، ومصالح أنانية وأطماع شديدة الجشع، تصاغ وتقدم للرأي العام بملابس جميلة مزركشة وأنيقة تطلق عليها جميع الصفات الحميدة إذا كان الحدث يصب في إطار هذه المصالح وان لم يكن كذلك فإن انسانيتهم تصاب بالفزع والغضب العارم وتستحضر كل المفاهيم والتعابير التي يتم نسيانها تماماً عندما يتعلق الأمر بصفقات السلاح مثلاً أو المنافع الاستراتيجية من ثروات النفط أو سواهما من أمور مما يدخل في نطاق «المقدس» الأسود والمسكوت عنه. والغريب في أمواج وسائل الإعلام المتلاطمة أن أحداً لا يستطيع أن يتوقف برهة ويسأل الولايات المتحدة عما فعلته بالأمس القريب في العراق مثلاً وما زالت تقوم به في أفغانستان أو فلسطين وبقاع كثيرة من العالم ولا أحد يستطيع الصراخ بأن القاتل قاتل وإن ارتدى بزة كاهن مزيف وإذا حدث أن نطق أحدهم بمثل هذه الأمور يقال له سخرية كما لاحظت في الكثير من الفضائيات: إننا نتحدث عما يجري الآن أي أن ما قد يقال هو مما طواه الزمن ولم يعد موضع نظر أو تدقيق نحن نسأل عن هذا التفصيل الصغير ونريد أن نضعه في سياق القيم ولكن لماذا يستطيع من يحاول ذلك النجاة من الأسئلة الحاضرة التي تحفر في ذاكرة الناس؟ هل تستطيع القوة وحدها أن تبرر هذه التناقضات الفادحة؟ وكيف يمكن قبول أن يقوم الطرف نفسه بدور مشعل الحرائق ودور الإطفائي في الوقت نفسه. قبل أكثر من خمسين عاماً قال الفيلسوف الفرنسي «جان بول سارتر» أن مقتل أخلاقيات الغرب يكمن بوجود هوة سحيقة بين الأفعال والأقوال وبعد مضي وقت طويل يبدو أن هذه الهوة قد توسعت وأصبحت ودياناً عميقة وإذا كانت ممتلئة بالنفط فهذا ممتاز وأخلاقي وإذا طفحت بالدماء على أيدي أصحاب هذه الثقافة فإن القيم بخير ورايات الحرية ترفرف عالياً وفي كل الأحوال ليس من حق الضحايا تحديد معاني وحدود هذه القيم الصحيح منها والمزيف وفي أفضل الأحوال نبدو نحن بصيغة: الآخر، المختلف، الغريب، المتخلف، الجائع الذي ليس لديه حق سوى أن يتلقف ما يقولون! المصدر : جريدة تشرين السورية |