مجال البحث
المكتبة التراثية المكتبة المحققة أسماء الكتب المؤلفون القرآن الكريم المجالس
البحث المتقدم ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث البحث في لسان العرب ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث إرشادات البحث

مصر بين روايتين

 منذ الجملة الأولى في رواية خيري شلبي الأخيرة “إسطاسية” يتورط القارئ في المطالعة، الرواية مكتوبة بأسلوب سلس وجاءت حواراتها بالعامية المصرية لتنقل إلينا روح وملامح الريف، والجريمة التي تدور حولها الأحداث والشخصيات المرتبطة بصورة أو بأخرى بهذه الجريمة وانطباعات الراوي عنهم والرمزية التي يستخدمها شلبي مفردات تفهمنا لماذا أعيدت طباعة الرواية مرة أخرى في أقل من شهرين .

الرواية صادرة منذ عام تقريباً . “إسطاسية” أرملة المقدس جرجس غطاس، تعيش في إحدى قرى كفر الشيخ، قتل ولدها محفوظ، تستيقظ كل يوم مع الفجر تصرخ وتنادي عليه، تستنزل اللعنات ليس على قاتله المجهول وحسب، ولكن على كل سكان القرية . الراوي ينتمي إلى عائلة عمدة القرية، درس الحقوق، يطمح في أن يصبح وكيلاً للنائب العام، يتجول بنا بين وجوه القرية في أسلوب يذكرنا بالمحقق في الروايات البوليسية، يحلل مسألة الفتنة الطائفية وما إذا كان قتل محفوظ غطاس أحد تجلياتها، يتقمص شلبي عبر الراوي أدوار المؤرخ وعالم الاجتماع لينفي هذه الفرضية البعيدة عن الروح المصرية، وبعد اختبار فرضيات عدة وحكايات متتالية عن الصراع الاجتماعي المحمل بفساد تزكم رائحته الأنوف نكتشف أن القاتل هو العمدة عم الراوي .

الراوي ينتمي إلى عائلة عريقة في القرية، يتحدث الجميع عن جده ووالده حيث أقاما العدل وأحبهما الناس، والأعمام الثلاثة الآخرون: الأكبر وهو العمدة مارس القتل، والآخران تورطا في الفساد . القرية والعائلة بمنمنماتهما والإيحاءات الحوارية الممتدة على طول الرواية تقربنا من رسالة رمزية ود شلبي إيصالها عن أحوال مصر في السنوات الأخيرة . وعندما يموت العمدة القاتل مريضاً قبل أن يلقى عقوبته القانونية، تذهب إسطاسية إلى الراوي ليرفع لها قضية ضد العم الآخر الذي شارك في الاستيلاء على أرضها وتنتاب الشاب حالة نفسية يتصارع فيها الانتماء إلى العائلة أو حسم موقفه الأخلاقي، لنجده ينحاز إلى الأرملة التي كان الجميع يصفها بالخبل والجنون .

القارئ للرواية لا بد أن تعيده الكثير من مشاهدها إلى “يوميات نائب في الأرياف” لتوفيق الحكيم التي كتبها في ثلاثينات القرن الماضي، في الروايتين جريمة غامضة، والراوي في الحالتين شاب يعمل في مهنة ترتبط مباشرة بالقانون، بالحق والعدل، الفساد في الرواية الأولى دفع الراوي “الحكيم” نفسه إلى ترك عمله في النيابة والتفرغ للكتابة الأدبية وحيث ستفتح روايته الباب واسعاً أمام إبداعات كثيرة عن الريف المصري بصورة واقعية، يوسف إدريس وعبدالرحمن الشرقاوي وعبدالحكيم قاسم . أما الفساد في الرواية الثانية فيدفع البطل إلى التخلي عن أحلامه في النيابة ليرتدي ثوب المحامي ويدافع عن المظلومين . الفساد في حالة الحكيم بسيط تمثل في علاقات قروية بدائية ورشى ساذجة لم تدفع البطل إلى المواجهة، الفساد في “إسطاسية” مركب يهدد الوحدة الوطنية ويتطلب المواقف الواضحة . “إسطاسية” وبرغم أنها تبدو طبعة ثانية من “يوميات نائب في الأرياف” بعد ثمانية عقود إلا أنها استطاعت تصوير مصر كاملة خلال السنوات الأخيرة، وحسم شلبي من خلالها رؤيته لجيل ربما كان يتمنى إنسانياً ويتنبأ إبداعياً بما سيفعله في ما بعد .

المصدر : دار الخليج