العقلانية يثبت التاريخ مرة أخرى أنه يرتقي نحو العقلانية، أو يصوب مسار البشر نحوها كلما انخفض مستوى العقلانية في الحياة والسياسة والممارسة الثقافية، ولطالما تحدث المفكرون العرب خلال العقود الأربعة الماضية عن العقلانية، وجعل بعضهم منها عنواناً لكتبه وأبحاثه، ولطالما كانت في لحظات معينة مطلباً بحد ذاتها، لكن تحقيقها في الواقع بقي بعيداً عن التحقق، بل راحت مجمل الممارسات العربية بوصفها في آخر المطاف شكلاً من أشكال الوعي والثقافة تنحدر إلى مصاف اللاعقلانية التي جعلت الواقع ساكناً لا يتحرك، أو هكذا كان المشهد يبدو على الأقل، وهو مشهد كان يلبس في كل مرة زياً أسوأ من ذي قبل .اليوم نتذكر بشدة الكثير من السرديات العربية التي دارت حول انخفاض الوعي بطرق الممارسة المؤسساتية، أو انحدار مستوى الممارسة العامة إلى ما دون أي مستوى ثقافي، ومن بين تلك السرديات تنهض أعمال مثل “شرق المتوسط” للروائي السعودي عبدالرحمن منيف، و”الوباء” للسوري هاني الراهب، و”اللجنة” للمصري صنع الله إبراهيم، وغيرها من الأعمال التي نستعيدها اليوم لندرك حجم الانفصال الذي ساد خلال عقود بين مختلف مكونات الأدب والثقافة والفن والفكر وبين المجتمع، وذلك الانفصال أو القطيعة التي يجب أن تنتهي لمصلحة المجتمعات العربية، فالفنون والآداب ليست فقط مجالاً للمتعة، وإنما تشكل بحد ذاتها شكلاً من أشكال المعرفة، فقد استطاعت تلك الأعمال أن تعري حجم المشكلات الرئيسية قي الواقع العربي، والتي أصبحت اليوم فاقعة وساطعة، إلى درجة أن الجميع بات يراها بما في ذلك الناس البسطاء الذين تم اتهامهم بأن جلّ همهم هو لقمة الخبز، لكن لقمة الخبز أيضاً لا يمكن أن تبقى موجودة من دون عقلانية .العقلانية اليوم هي عودة عن كل أشكال الترفع عن الواقع، وإعادة التحام بالقضايا التي من دونها لا يمكن أن يكون الزمن العربي إلا دائرياً، والعقلانية هنا هي ربط الإنسان عضوياً بمصيره، وهذه مهمة مشتركة لجميع الفاعلين في الواقع العربي إعلامياً وفكرياً ومؤسساتياً وحتى أدبياً وفنياً، فقد شكل انفصال الإنسان العربي عن واقعه نوعاً من التسطيح لتاريخ هذا الإنسان، وسخرية من قدراته، ونبذاً لفاعليته، وشللاً لعقله ووجدانه . هل نحن اليوم أمام بداية جديدة تقطع مع اللاعقلانية؟ من المؤكد أن صيرورة العقلانية في التاريح الحديث ككل قد أثبتت أن الحضارة بمعناها المعاصر والعقل توأم لا ينفصلان، والعرب ليسوا بمنأى عن هذا التاريخ، وهم مدعوون “ربما” أكثر من غيرهم بما يمتلكون من إرث حضاري كبير، لكي يعيدوا للعقل مكانته التي يستحقها، وهم بذلك يعودون إلى مكانتهم الطبيعية كشعوب فاعلة ومنتجة ومشاركة في الارتقاء بالإنسانية، وإغناء التعددية فيها، وتقديم نصيبهم من العملية الحضارية ككل، ونيل ما يستحقونه من ثمراتها . المصدر : دار الخليج |