حسونة المصباحي: المثقفون العرب استقالوا من النضال هو مسافر أبدي، ارتحل في ربوع الأرض وذاق غربتها، اختار أن يرى الأشياء بعين خاصة على طريقته، فشعر ببهجة للخريف، واستمتع بالنظر إلى النوافذ وقمم الجبال، ولم يكتف بهذا، فتوغل في ذاته، ليجد نفسه مغتربا من جديد في عالمه الخاص . إنه الروائي التونسي حسونة المصباحي، أحد أهم الكتاب التونسيين المعاصرين . المصباحي كاتب وصحافي ومترجم تونسي من مواليد قرية الذهبيات في ريف القيروان في عام،1950 درس الآداب الفرنسية في جامعة تونس، وسافر إلى ألمانيا ليمكث فيها بين العامين (1985 2004)، صدرت له ثلاث مجموعات قصصية هي “حكاية جنون ابنة عمي هنية” تونس ،1986 و”ليلة الغرباء” تونس ،1997 و”السلحفاة” باريس ،1997 كما أصدر حتى الآن خمس روايات هي “هلوسات ترشيش” المغرب ،1995 و”الآخرون” تونس ،1998 و”وداعا روزالي” ألمانيا ،2001 و”نوارة الدفلى” تونس ،2004 و”حكاية تونسية” دبي 2008 .
"الخليج" التقته في القاهرة وكان هذا الحوار: لماذا فكرت في السفر من تونس في بداية حياتك؟ حين فكرت في الخروج من تونس، كان ذلك طواعية، وليس هربا من أي شيء، فالأدب والثقافة مغامرة، وقد قدرت أنني إن عشت في مكان مغلق محلي فلن أستطيع تطوير تجاربي . وما الذي أضافته تجربة العيش في الخارج لحسونة المصباحي؟ كنت أول تونسي أذهب إلى ألمانيا، وعشت بين الذهاب والإياب، لم أنقطع عن وطني، ظلت تونس وبالذات المكان الذي ولدت فيه، منطقة القيروان، هو المكان الآسر الذي يلاحقني أينما أذهب، كنت استحضره، وأكتب عنه، ولكني تشبعت أيضا بالمكان الجديد، وأضاف لي الكثير، هناك تطورت وتعمقت معرفتي بالموسيقا، تحولت علاقتي مع الطعام، البيت، السينما، وكل تفاصيل الحياة تقريبا، كنت كسولا جدا في أعمال البيت، عرفت أن هناك استاتيكية تحكم الأمر، وبدأت أنتبه لجماليات المشاهد، رأيت ثقافات أخرى . هل كانت المغامرة الكبرى في حياة حسونة المصباحي السفر إلى ألمانيا أم الكتابة؟ الكتابة هي المغامرة الكبرى التي تدفعني إلى كل شيء، في أقطارنا العربية الكتابة شيء لا يقدر لأن الكاتب لا يأتي بأموال كثيرة، ومع النظرة المادية للحياة يصبح النظر للكاتب على أنه ماذا يكتب، وإنه سيدمر حياته باستمراره في الكتابة، لذا أن تكتب في تلك المجتمعات تصبح مغامراً، فما بالك انك من أجل هذه الكتابة تسافر، هذا هو الأصل الميتافيزيقي العميق للمغامرة، ولكن عندما تعود بزاد ويرون انك حققت بعضا من حلمك يزدادون احتراما لك، ويقولون “آه، نحن كنا واهمين”، ولا حاجة لي أن يثبتوا هذا من عدمه، بل أن أثبت لنفسي أنا أني لست واهما، لكل مغامرة مخاطرها، وعليك تحمل ذلك . هل زال شعورك بالغربة حين عدت إلى تونس؟ لابد أن أقر بأن العودة إلى تونس في البداية كانت مؤلمة، لأن الغياب طويل، رغم أني كنت أزور تونس، ولكن عندما تعودين أول ما تتفاجئين تجدين أن هناك مسافة كبيرة بينك وبين مثقفي البلد، فمثقفو البلد كأنهم في قفص، وأنت في فضاء واسع . حين عدت وجدت المثقفين في بلادي يناقشون قضايا تافهة بالنسبة لي، كنت قد تجاوزتها، لم تعد تعنيني، حتى في علاقاتهم اليومية مع المرأة، حين اجلس معهم أجدهم يتناقشون في قضايا يعتبرونها كبيرة في حين أراها تفاهات، وهذا شيء مؤلم . يقال إن المغرب يقود الإبداع العربي، والنور أصبح يأتي من المغرب إلى المشرق؟ تغيرت الجغرافيا الثقافية، القاهرة في العشرينات والثلاثينات والخمسينات كانت منارة الثقافة العربية، كتب وإصدارات وأسماء كبيرة صنعت النهضة العربية في الشعر، لدرجة أن كاتبا مثل أبي القاسم الشابي في العشرينات لم يشتهر إلا من خلال مصر وفي مجلة أبولو التي نشر فيها قصائده الأولى لقي الدعم من مصر ولم يلقه في بلاده . تتغير المناخات، ولكن ليس هناك قاعدة، التجارب المهمة تأتي من أنحاء الوطن العربي، لكل بلد خصائصه الثقافية ورواياته وشعره ونقده وفكره، تطورنا لدرجة أن كل بلد أصبح له مناخات ثقافية خاصة، بلدان الخليج الآن ليست هي كما كانت قبل 30 سنة، أصبحنا نقرأ رواية سعودية وإماراتية وكويتية، وكل هذا يدل على أن الجغرافيا الثقافية تتسع والمراكز الأساسية تفقد مركزيتها، كل مركز يتغذى من الآخر، ما أتمناه أن تتسع الاهتمامات لا الصراعات . قال عنك يوسف إدريس: يكفي أن تقرأ قصة واحدة للمصباحي لتعرف كيف يعيش ويفكر الإنسان التونسي وما هي أساطيره الخاصة كما لو انك عشت في تونس عشرات السنين، هل ترى الكاتب سفيرا لوطنه في ظل هذه الخصوصيات؟ يوسف إدريس هو معلمي في الكتابة، عندما قرأت قصصه اكتشفت مصر وتعلمت منها . كنت أول كاتب تونسي يكتب عن الريف، قبلي كانت كل القصص تصور الحياة في المدينة، العاصمة البورجوازية الصغيرة، المهمش، المثقف، وهكذا، فجأة ذهبت إلى الأميين الذين لا تاريخ لهم، ويعيشون منقطعين عن العالم فإذا بهم كائنات لها مشكلات مع الحياة والموت، والحب، كتبت، كيف يحبون، كيف يموتون، كيف يعيشون مخاطر الحياة، لغتهم، طريقتهم . “الكلمة والصمت، والوحدة هي أسلحتي، ليس سلاحي أن أخوض التجارب السياسية والخطب الرنانة” لماذا قلت هذا؟ أنتسب إلى جيل توهم انه يستطيع أن يغير الأنظمة، ولم نغير أي شيء، وهذا ما قادنا إلى أخطاء فادحة في حياتنا، لم أكن سياسيا ولكني توهمت أني قد أكون سياسيا، ثم اكتشفت أني إنسان لا أستطيع أن أتقن هذا العمل . لا أستطيع أن أكون فاعلا في المجال السياسي بقدر ما أكون فاعلا في حقل الكتابة والإبداع، لماذا نظن أن التغيير لا يتم إلا بالذهاب إلى السجن وتضييع عشرات السنين؟ هل خرجت خاسرا من تجربة السجن؟ طبعاً، لكنها غذتني على المستوى الإنساني، وتعرفت إلى جزء من نفسي لم أكن أدركه . قلت إنه في كثير من الندوات لا يدعى إليها الروائيون الحقيقيون الذين يمثلون الكتابة الروائية الجديدة سواء في تونس أو المغرب أو الجزائر لماذا يحدث هذا؟ لأن الثقافة العربية تعاني من شيء اسمه “الشللية”، فالدعوات توجه حسب العلاقات الشخصية وهذا يفسد الثقافة . وهل تعاني من هذا؟ بالتأكيد، وهناك آخرون أيضا يعانون، أعرف كتاباً جيدين، لا تتم دعوتهم للفعاليات الثقافية، لأنهم ليس لديهم علاقات شخصية قوية، هذه ظاهرة عامة، ففي تونس، بلدي، لا تتم دعوتي إلى ملتقيات روائية لأني لست منخرطا في القطيع، فيعاملونني كأنني غير موجود وهذا مؤسف . هناك اتهام عام لمثقفي الوطن العربي بأنهم كرسوا خطاب الضحية عبر أعمالهم التي بالغت في الشكوى من توحش السلطة؟ هذا سؤال يتطلب دراسة، وهو صحيح، دائما المثقف يشكو ويتذمر، ولا يقدم صورة تخرجه من هذه الحلقة المفرغة إلى المواجهة الحقيقية بالإبداع الفكري، همشوا أنفسهم بأنفسهم، يجرون وراء المنظمات والمناسبات، لم يعودوا يمثلون شيئا، واستقالوا من النضال الحقيقي، ومن أن يكونوا قوة للفكر الحر المستنير . يشكون من الظلم، والاستبداد، ويسكتون عن أناس يقولون لهم بصوت عال إنهم مستعدون لذبح الشعراء، صمتهم عن الفتاوى الصفراء، والكتب التي تقتل الفكر جريمة لا يمكن السكوت عنها، ولابد أن يدفعوا الثمن للدفاع عن الأفكار حتى لا تموت مجتمعاتهم . المصدر : دار الخليج |