الارتماء في حضن المقالة في روايتها الجديدة وعنوانها «32» (دار الآداب) تطلق الكاتبة سحر مندور جملة من مواقف ذات بعد اجتماعي، ملوّنةً ببعض الظلال السياسية. لكن اللافت في الرواية، أنّ الروائية تتحصّن خلف تقنيات المقالة وفنونها، موظّفة مهاراتها الصحافية، فتسلّط قلمَها وعدستها على الشارع البيروتي، متّخذة من بعض قضاياه مادّة دسمة للنقاش والمعالجة، لا سيّما قضية الخادمات الأجنبيات في المنازل، وقضية الزواج وما يعتريه من تشوّهات بعد انقضاء مدّة من الزمن عليه. علاوة على التفاوت الطبقي الذي يفرز شرائحَ واسعة ممن يعيشون تحت خطّ الفقر ممثّلين ببائعة الورد العاجزة (نادية)، ثم قضية الحرية الفردية وما يصيبها من ضربات نتيجة تدخّل بعض الناس في أمور بعضهم الآخر. وفي هذه الإطلالات على الواقع ومشكلاته، ينسحب السردُ بتقنياته الفنية، مفسحاً في المجال أمام فنّ المقالة الذي صال وجال في ربوع الرواية. فغالباً ما لجأت إليه مندور، وأطلت من نافذته عوض الإطلالة من ثغور السرديات المعهودة في الفنون الروائية. وعلى رغم أهمية القضايا التي أثارتها - إذ قلّما نجد نصّاً أدبياً يوفّر فرصة للخادمات ليعبّرن عما يجول في دواخلهن مثلاً، عبر إعطائهن دوراً حواريّاً. وفي هذا اعتراف بوجودهن ككائن بشري مهما كان وضعه الاجتماعي ومركزه الوجودي. إلا أنّ الأحداثَ الروائية المهمّة لم يكن لها الوجود المطلوب، سوى في ما ذكرته الكاتبة من أحداث واقعية مجرّدة من التخيل الّذي يميّزُ الفنون القصصية والروائية عادة. وقد تمثّلت باغتيال أحد النواب الذي تشير الوقائع إلى أنّه النائب (وليد عيدو) إضافة إلى وفاة امرأة وبناتها مسموماتٍ داخل شقة في لبنان، ثمّ انتحار صديقتها (حياة) الذي شكّل عقدة الأحداث وذروتها نظراً إلى اقترابه من الحدث الروائي أكثر مما هو قريب من الحدث الواقعي المرصود في مقالات الصحف وتقارير الشاشات. ولم نلاحظْ وجوداً كبيراً للرمزية المألوفة في النصوص الروائية، التي تحمل القارئَ على لذّة البحث والتأويل، أللهمّ إلّا في محاولة الراوية/الشخصية كتابةَ قصّة صعبت عليها نهايتها على قولها، أو عبر الإشارات الرمزية السريعة إلى ما تعاني منه البطلة/البطلات من ثقل العمر حيث الوصول الى السنة الثانية بعد الثلاثين. وأكثر ما ظهرت في توزيع إذاعات التلفاز على شاشتين، كان الرقم (16) إذاعة كوميدية، والرقم (16) في الشاشة الثانية للإذاعة الدرامية، ما يجعلنا نتجرّأ على التأويل والوصول الى نتيجة تحليلية مفادها أنّ مجموع العددين يساوي (32) وهو عدد سنوات العمر للشخصية. وكأنّ الشقّ الأوّل من (32) كان أعواماً جميلة ومريحة، في حين أنّ الأعوام الستّة عشر الأخرى تحوي يأساً ومأساة ومعالمَ درامية حيث روائحُ الانتحارِ تفوح اكثر من مرة في الرواية. وفي هذا التشظّي للمشاهد السردية، نرى تشظّياً واضحاً في رؤية الكاتبة التي حاولت بثّها جاهدة، فلــــم يكن هـــذا عبر الأحداث إنما عبر ارتماء صاحبة النص في أحضان المقالات، فقدّمت تقاريرَ عن الحالات وضيّعت الرؤية في الخلاص من مشكلاتها، إلا ما فُهم منها على شكل نتـــفٍ رؤيوية على رغم أهمية ما أثارته الرواية وما سلّطت عليه من أضواء وعلى زواياه المظلمة، وأكثر ما كانت في ملامح الفرار وممارسة بعض العادات والتصرفات الغربية المفقودة في بلادنا في حين تتوافر في النمسا والسويد وفرنسا بحسب بعض التلميحات في الرواية. وفي نظام سرد الأحداث، أو تقديم التقارير عبر المقالات، التي توصي الكاتبة على لسان الراوية الالتزام بأصول كتابتها في مناسبات عدة مثل «عدم تكرار الخبر إذ ليس في التكرار ما يُضفي على الخبر من معنى جديد...» ثمّة ما هو جديد ولافت، وهو الكمّ الهائل من الوقفات التحليلية والوصفية التي تتعهّد تعطيل السرد عادة، فمعظمها كان مقالات صحافية تمرّست مهنة الصحافة، وتبادلت الأدوار مع السرد حتى شكّل هذا الأخيرُ وقفةً هو الآخر غير مسبوقة، حين فصلت به الكاتبة بين ضفتي المقالة وجعلت المتلقي يتشوّق إلى متابعة التــقرير كما يتشوق إلى متابعة الأحداث السردية المتتابعة حين يُفصل بينها بوقفة أو بما يعرف بالاستراحة. وهــــذا ما لوحظ في الفصل المتكرر بين التقارير المعدّة عن الخادمة (كوكو) والبائعة (نادية). ويبقى أن نشير إلى أن الكاتبة قدّمت عملاً مثمراً فيه من مؤهلات الإبداع والفنية ما يشدّ المتلقي ويشوّقه إلى متابعة قراءة النص سواء عبر التقارير أم عبر بعض الأحداث، فلا يستطيع التوقّف عن القراءة إلا بعد انتهاء الرواية. المصدر : دار الحياة |