مجال البحث
المكتبة التراثية المكتبة المحققة أسماء الكتب المؤلفون القرآن الكريم المجالس
البحث المتقدم ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث البحث في لسان العرب ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث إرشادات البحث

هل نستطيع قراءة المستقبل؟

 في أكثر من 1300 صفحة من القطع الكبير، يقع كتاب محمد جبريل “مصر في قصص كتّابها المعاصرين”، ومنطلقاً من مقولة د .ه .لورنس “الفن يخبرك بالحقيقة عن عصره”، يؤرخ جبريل ليس لانعكاس كفاح المصريين نحو الاستقلال والحرية وحسب، وإنما يرصد أيضاً كافة مفردات المجتمع المصري ومسارات الثقافة المصرية بقضاياها الأدبية وأطروحاتها الفكرية .

سنصادف في الكتاب أسماء الأطعمة والأشربة، الأمثال الشعبية، حوارات حول الأحداث التاريخية المؤثرة، تتبع لصور المثقف كما رسمه السرد العربي، قضايا كتحرير المرأة، مواقف من الزعماء، مشاهد تبرز تقاليد الأسرة المصرية، شخصيات معبّرة عن الشرائح الاجتماعية كافة . . إلخ، يحول جبريل السرد “قصة ورواية” إلى شاشة سينمائية وأدوات توثيقية تبرز حراك المجتمع المصري في القرنين التاسع عشر والعشرين .

لم يقف جبريل من عشرات الأسماء التي حلل إبداعاتها الأدبية موقف المحايد وإنما مارس التأويل المدعم لفكرة أدب المقاومة . لقد كنا نعتبر أعمالاً كحديث عيسى بن هشام لمحمد المويلحي مرحلة انتقالية بين المقامة والرواية، على مستوى الشكل، وكنا نقرأ فيها أحياناً أفكاراً تعبّر عن اللقاء بين الثقافة الغربية والمجتمع المصري، ولكننا لم نلتفت كثيراً إلى أن “الحديث” يؤرخ لمصر منذ بداية الاحتلال البريطاني وحتى أوائل القرن العشرين، وهي فترة غائبة عن الأعمال الأدبية الأخرى، ويقدم جبريل تقاطعاً جيداً بين لمحات للمويلحي ينتقد فيها الاستعمار وبين التنكيت والتبكيت لعبدالله النديم، بالمثل سنصادف تأويلاً يمارسه جبريل تجاه ليالي سطيح  1906  لحافظ إبراهيم، قدم فيها هذا الأخير رؤية وطنية ناضجة إزاء المسألة السودانية آنذاك .

الفن لا يخبرنا فحسب بالحقيقية عن ملامح العصر، إنه يختصر هذه الملامح، يكثفها بصورة تتجاوز أية كتابات تحليلية تنتظر انتهاء الحدث، والأهم أنه يظل كامناً في اللاوعي، إننا نتذكر قصيدة نزار قباني “هوامش على دفتر النكسة” أكثر من استعادتنا لعشرات الكتابات الفكرية التي تناولت 5 يونيو/ حزيران ،1967 إنه بهذا المعنى يمتلك خاصية الراهنية والبقاء في الوقت نفسه، فضلاً عن سمة ثالثة تتمثل في القدرة على التنبؤ .

لقد كان ما يحدث في مصر الآن بانتظار كتابة تقتفي أثر محمد جبريل، ولكنها تنطلق من رؤية مستقبلية وليست تأريخية، تمتلئ شوارع القاهرة بعشرات الإبداعات التي تنتمي إلى كتابة جديدة ساخرة بلغة عامية مضحكة حتى البكاء لأقلام شابة يصعب تحديد توجهاتها الفكرية، صورة سنجد ما يكملها في الصحافة والسينما والأغنية، فضلاً عن المواقع الاجتماعية على الإنترنت، عالم جديد أنتجته ثقافة عفوية لم ينتبه إليها أصحاب الياقات البيضاء من المثقفين التقليديين، تستمد فطرتها من وسائل تعبيرها التي تبدو للوهلة الأولى خارجة عن المألوف، وعدم تورطها في بيانات تنظيرية أو طروحات ذهنية مباشرة، كما تعودنا في ثقافتنا العربية المعاصرة، حالة كانت بحاجة إلى القراءة والتنبؤ بما يحدث، وهي درس لمعظم أصحاب الياقات البيضاء الذين لا همَّ لهم إلا الماضي من أجل ذاته، مع مستقبل عصي على التحليل حتى اللحظة الراهنة

المصدر : دار الخليج