من يتذكر ومن ينسى! يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري في كتابه «الحداثة وما بعد الحداثة» إنه خلال دراسته في الولايات المتحدة، كان يلتقي بالكثير من رموز الفكر والأدب من الأمريكيين، وأنه ببراءة كان يحدثهم عن مكانة التيارات الفكرية العقلانية في العالم العربي، ولكن لاحظت أنني كنت كلما تحدثت عن تلك الأفكار والرؤى الإنسانية العقلانية كان حديثي يقابل بالابتسام والسخرية المهذبة فاهتمام كبار مثقفي الولايات المتحدة كان يتركز على موضوعات مثل اللاوعي والأساطير والانتحار والمخدرات والاغتراب واللذة كان هذا في سبعينيات القرن المنصرم أي أن المياه قد جرت كثيراً تحت هذه الذهنية باتجاه تعميقها، حتى وصلت هذه الرؤى في تسعينيات القرن الماضي ومطلع هذا القرن إلى شيوع نظريات صدام الحضارات والثقافات ونهاية التاريخ وموت الكاتب والمفكر والمؤلف والأديب وتجزئة الوعي الفردي والجماعي على كافة الصعد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ورفع رايات الرأسمالية المتوحشة التي دفع العالم العربي واحداً من أكبر أثمانها عبر كل أشكال الغزو العسكري المباشر، وتدمير الدول وقتل الشعوب وتشريدها وإحراق منجزات الثقافة والفكر وإشاعة الفوضى وتحويل الموت إلى غذاء يومي للملايين وإزاء ذلك كله كان البعض يعتقد أن العرب قد ضربهم زلزال هائل في رؤوسهم وسبل عيشهم ووجودهم وحاضرهم ومستقبلهم فأغنى من سوغت له نفسه إحناء الرأس أو الاستفادة الفردية من هذه الأمواج القاتلة، أو الصمت ومن الواقعية والموضوعية التأكيد أن النبض الحي لمفكري وأدباء العرب من يحملون الجمر والقضايا قد تمت محاصرتهم وأطلقت عليهم شتى النعوت، ومنها «أصحاب اللغة الخشبية» و«أصنام الماضي» وسوى ذلك من تعابير كان هدفها جعل الشكوك وعدم اليقين والضياع تدب في كل رأس وزاوية وقضية مهما كانت أحقيتها ووضوحها والأهم من ذلك كله فقدان الثقة بالنفس والأمة ومبادئ الحرية والكرامة وحقوق الإنسان التي يستطيع الغرب أن ينافق فيها كثيراً من دون أن ينجح بإقناع ضحاياه، بأن الخطأ خطأ لو كان معه كل جبروت القوة، وإن الحق يبقى حقاً، وان حوصر أصحابه لفترة قصيرة أو تبدو طويلة لمن يصاب بالجزع. لقد أرادت موجة ما بعد الحداثة وكل مظاهرها الفكرية والأدبية والسياسية تحويل الوجوه إلى أقنعة وضرب العقلانية في الصميم وتصوير الانسان بشكل هلامي غير مفهوم والعبودية أزهار ذابلة في مقابر جماعية ولكن الناس أحياء وما هم ذلك. ربما من الغريب للغاية أن تتحول العقلانية بل حتى البديهيات إلى مجرد هرطقة وهذيان لدى دعاة العقلانية في الغرب حين كان هؤلاء على قناعة تامة بأن فيروساتهم العقلية والروحية مصممة لأصحابه الآخرين من الضعفاء في كل أرجاء الكوكب من دون أن تصل العدوى لمهندسيها وصانعيها وربما ما زال الكثير من هؤلاء في الغرب على القناعة نفسها، رغم أن العدوى قد انتقلت لهم بالفعل وبتنا نسمع صراخهم عن أزمات تزلزل كل شيء مع الإصرار الشديد على دفع الكوارث عن شواطئهم إلى أمكنة بعيدة. من الذي يتذكر الآن كل الشعارات الجوفاء والوصفات الثقافية والفكرية الأمريكية التي أشيعت عقب غزو العراق؟ علينا أن نتذكر ذلك جيداً وإن بدا أن أصحابها قد أصيبوا بمرض التناسي أو النسيان!. المصدر : جريدة تشرين السورية |