مجال البحث
المكتبة التراثية المكتبة المحققة أسماء الكتب المؤلفون القرآن الكريم المجالس
البحث المتقدم ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث البحث في لسان العرب ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث إرشادات البحث

مصر في القلب

خشيتُ عليكِ وعليّ يا مصر من أن تخدشي مخيّلتي في ما يخصكِ· قال غوتيه مرة <الإنسان مركّب بشكل أنه يمكننا إقناعه بأشياء خارقة، فتُحفر هذه الأشياء في رأسه ويا للويل لمن يحاول أن يمحوها ويهدمها!> هذا ما خفتُ منه، خفتُ أن تُخدش الصورة التي في رأسي وفي قلبي، خفتُ أن أرى مصر التي في تصوّري تنقلب رأساً على عقب، أن تضيع عظمتها التي كوّنتُها في رأسي منذ صغري، منذ وعيتُ على الدنيا وعلى التاريخ، وأنا عرفتُ مصر فقط عن بعد، هكذا، كما وصلت إليّ تلك الصورة، في أقصى جمالها· وصلتني أيضاً وخصوصاً عبر أفلامها، فمصر أول من صدّرت صناعة السينما العربية الرائعة، وصدرت كذلك المطريبين الرائعين، هي التي أتتني عبر كتب التاريخ، مهد الحضارة بين الحضارات، مركز أعظم المتاحف في الدنيا، وبلاد أبي الهول، ويا للهول لو تزلزلت صورة مصر ووقعت، وأنا مسمّرة أمام الشاشة مدى ساعات أنظر إلى ما يحدث من تخريب في بعض الأحياء وكم فرحتُ عندما قيل إن أهل مصر حرصوا على حماية متحفهم، هذا الكنز العالمي الذي فيه بداية البدايات·

خفتُ إذاً على الصورة الجميلة التي تكوّنت في رأسي منذ صغري من أن تتزعزع لدى رؤيتي الخراب الذي حصل من جهة، لكن من جهة أخرى فرحتُ لشعبٍ انتفض حراً يطالب بحقوقه، بالحرية التي هي من أولويات الحقوق، فرحتُ بجرأة الشعب الذي قال كلمته بأعلى صوته· فرحتُ بكل هذا التحرك البشري النابع من ألم وكانت الصرخة الكبيرة وكان لا بدّ لها أن تأتي يوماً وقد أتت· مع ذلك لم أصدق أن صورة مصر العظيمة والهائلة اهتزت أمام عينيّ بهذه السرعة!

كما أسلفتُ، لم أرَ يوماً مصر· لم أذهب إليها، رغم أني زرت المعمورة من أقاصيها الى أقاصيها، وكنت دائماً أؤجل مصر كونها قريبة، وكوني <لاحقة عليها>· لكن لدى مشاهدتي ما شاهدتُ، خفتُ ألا <ألحق عليها>، وأن أظلّ أكتفي بما في مخيلتي من صور افتراضية للأهرامات ولأبي الهول والمتاحف والأقصر والإسكندرية والقاهرة الهائلة·

صورٌ تكوّنت عندي من خلال دروس التاريخ في المدرسة حول الفراعنة، ومن خلال وثائقيات على الشاشة، وأفلام الخمسينات والستينات بالأبيض والأسود البديعة، وصور كان والدي التقطها في مطارح عديدة عندما زار القاهرة في أوائل الخمسينات·

لا أريد أن أخدشَ كل هذه الصور الحنينية التي في قلبي، لكني أيضاً أريد أن أرى كيف أن إرادة الشعب تتحول إلى كلمة محقة في مطالبها· أعرف معنى كل هذا الغضب، أعرف معنى التمرد والإنتفاضة العفوية والشعبية، أعرف معنى الصرخة التي عن حق تطلع مطالبة بأحق الحقوق، ألا وهو العيش بِحُريّة· يا أبو الهول وأخيراً خرجتَ من صمتك المزمن، ومصرك الدهرية ستبقى عظيمة، وهي دائماً تناغمت بين كبريائها ودماثتها، بين شموخها وطرافتها، وأرجو ألا يفقد شعبها ميله الجميل إلى الطرافة والضحك والرقة التي لطالما عرفناها لديه، ألا يفقدها بعد هذه الصرخة الغاضبة·

صباح زوين

المصدر : اللواء اللبنانية