ضد اليأس ثمة مفاهيم متلازمة لا يمكن الفصل بينها، ومن بين تلك المفاهيم العقل والحرية والثقافة، وأسباب الارتباط بينها أكثر من أن تعد أو تحصى، لكن الأساس في الارتباط يكمن في الحضارة من حيث تعريفها البسيط: هي التحسين المستمر الذي يقوم به الإنسان لشروط حياته، وهكذا، وبعيداً عن التعريفات المعقدة الأخرى للحضارة يكون علينا الوقوف عند كلمة مهمة في التعريف وهي كلمة التحسين، والتي تعني ببساطة أن فكرة التقدم ما هي إلا ذلك العمل الذي يقود الإنسان إلى وضع شروط أفضل لحياته . لكننا إذا ما وقفنا عند تاريخ الحضارة الإنسانية نفسها فسنجد أن تراجع مقومات الحياة الإنسانية مرتبط عضوياً بتدهور العقل، وتدهور شروط الحرية، وانعدام البعد الثقافي، ما يختزل الحياة إلى دورة إنتاج ليس فيها أي جديد غير الاستهلاك الدائم لطاقات البشر، وحياتهم، وأعمارهم، وأهم من ذلك استهلاكهم لمستقبلهم . فالمستقبل الذي يتم اغتياله من خلال اغتيال العقل والحرية والثقافة لا يعدو حينها سوى مجرد زمن، وهو زمن اجتراري للقديم نفسه . العرب مدعوون اليوم كي ينتصروا للعقل، والعقل هنا كل ما ينافي البدهيات والغيبيات والخرافات، وكل ما يقوم على الحجج المنطقية، والعلمية، ويضع الاختيارات أكانت فردية أم عامة في إطار العقلانية التي تقود حكماً إلى مفاهيم مباشرة أهمها المساواة والمواطنة . من جهة أخرى، فإن العقل لا يستقيم من دون الحرية، وإذا كان رجل تنويري كبير، مثل عبدالرحمن الكواكبي، قد تحدث عن الحاجة إلى الحرية في كتابه “طبائع الاستبداد”، فذلك لأن الكواكبي كان يدرك أن العقل لا يمكن أن يأخذ مداه في الفعل الاجتماعي والإنساني من دون الحرية التي تعتبر المفتاح الرئيس لنمو العمليات العقلية، وهي الكلمة السحرية التي تفتح الأبواب المغلقة، ومن خلالها يمكن التأسيس لثقافة حضارية بالمعنى الواسع للمفهوم . لا بد لنا من أن نعترف ونحن على أبواب العشرية الثانية من القرن الواحد والعشرين أن العرب اليوم هم بأحوج ما يكونون إلى تلازم العقل والحرية، وإعادة الاعتبار إلى الثقافة، وتلك الحاجة يفرضها الواقع الداخلي للبلدان العربية، والتطور العالمي في الوقت نفسه، فلا يمكن لنا أن نزاحم على موقع لنا تحت شمس هذا الكوكب ونحن لا نعطي العقل مكانته المناسبة، ولا نؤسس للحرية قانونياً، ولا نجعل منها خبزاً يومياً، ولا نُمكّن الثقافة من التلاحم مع المكونات الاجتماعية المختلفة في زمن أصبح فيه التطور رهناً بحرية العقل في البحث، وحرية الإنسان في التعبير والنقاش، وكلها أمور تحتاج إلى مراجعة جدية في وطننا العربي . العقل ضد التشاؤم، والحرية ضد اليأس، والثقافة منبع التنوع وأرض الاختلاف، وفي تقدير العقل والحرية والثقافة موقف مبدئي من المستقبل العربي، ومن الأجيال المقبلة التي تنتظر أن يكون لها دور لا يأخذه منها أحد تحت أية حجة، وتحت أي شعار . المصدر : دار الخليج |