المثقف وضرورة الاعتذار للشباب “جيل بلا رأس” تعبير يلخص مجمل الخطاب الثقافي خلال العقد الأخير على الأقل في ما يتعلق برؤية معظم، إن لم يكن كل، مثقفينا وكتابنا ومبدعينا لأولئك الشباب الذين لا همّ لهم إلا البقاء لساعات طويلة أمام شبكة الإنترنت، في داخل هذه الرؤية سنصادف مصطلحات ومفاهيم وتنظيرات سلبية صُكّت وصيغت كإحكام إيديولوجية لا تقبل النقاش بخصوص ثقافة الشباب، أصبحنا أمام مسلمات نهائية على وقوع الشباب في الواقع الافتراضي الذي يغربهم عن واقع حقيقي، ويصرفهم عن التعاطي مع الأفكار الكبرى، مع تسفيه دائم لكل المقاربات الثقافية الخاصة بالجيل الجديد، والبكاء على مستقبل ثقافة مهددة بفعل الغياب المتوالي لرموزها الثقافية القديمة . لقد انتقدنا بقوة وبصورة لا مبررة الأفلام التي يشاهدها الشباب، والموسيقا التي يستمعون إليها، والأدب الإلكتروني تحت التأسيس أو الإجهاض حالياً، لا فارق، وانصرافهم عن القراءة والتعامل مع الكتاب، وإقبالهم على الروايات القصيرة والسلسة الأسلوب، وابتعادهم عن الشعر لتعقيداته اللغوية، وعدم انخراطهم في قضايانا الفكرية الجدلية والدائرية، ورؤيتهم الحذرة وربما الساخرة للمثقف، ولم يتوقف هذا النقد عند حدود المنتج الإبداعي والذهني وحسب، بل امتد أيضاً إلى الثقافة كممارسة وسلوك يومي، رفضنا بعض الكلمات والمصطلحات والتعبيرات الخاصة بهم، ورؤيتهم المختلفة للحياة والعلاقات البسيطة في ما بينهم، ووصفهم البعض الآخر بأجيال “الهمبرغر والكوكاكولا”، والوجبات السريعة المتأثرة بنمط الحياة المعولم، وبإمكاننا القول إن كل نقد داخلي للثقافة العربية في السنوات الأخيرة كان للشباب جزء مهم فيه، بل حُملوا تراجع هذه الثقافة إلى درجة كبيرة، وإليهم يعود العجز في إنتاج رموز إبداعية جديدة . إن تأمّل ما يحدث في تونس ومصر ثقافياً يجب أن يدفع كتّابنا ومفكرينا إلى مراجعة ذلك الخطاب الذي ينظر إلى هذا الجيل بكل هذه الخفة والسطحية، هذا إن امتلك جرأة الاعتذار للشباب . على ذلك الخطاب أيضاً تأمل الوقائع الراهنة وتقديم قراءات مغايرة، لقد كان دائماً ينتقد استيراد التكنولوجيا من دون معرفة الخلفية العلمية التي أنتجتها، ومن دون أن ينتقد نفسه في استيراد الأفكار والنظريات، والمضحك هنا أنه عندما نقل مقولات الواقع الافتراضي ورددها ببغاوية لم يكن يتصور أن الشباب الصغير المتعامل مع تكنولوجيا السايبر سيتجاوز تلك التنظيرات الجوفاء، سواء في الغرب أو هنا، سيعبر ذلك الجيل الجدل والمراوحة التقليدية في كل إشكالياتنا مع الغرب من دون سفسطة، سيحول التكنولوجيا الغربية إلى أداة للحراك بصورة لم تشهدها منطقة أخرى في العالم . هذا هو الدرس الذي لم يلتفت إليه أحد من منظرينا حتى الآن، الشباب العربي سبّاق، مهما كان رأينا في ما يحدث، ومهما تخاذل السيد المثقف وقبع في مقعد المتفرج من دون بيانات جماعية أو مواقف واضحة، كثيراً ما شاهدناها تنهال بالعشرات في ما يتعلق بحرية التعبير . إن مثقفاً من دون رؤية أو فعل هو الصانع ل “جيل بلا رأس”، وإن كان السبب في الجملة السابقة كثيراً ما صدق، فإن الأحداث الحالية تكذّب النتيجة التي كثيراً ما رددها السيد المثقف . المصدر : دار الخليج |