شريف الشافعي في لغة مختلفة في زحمة الكتب الشعرية التي تصدر تباعاً، وكلها متشابهة ورتيبة وغير جذابة، أمكنني أن أميّز بفرح واعتزاز الشاعرَ المصري الشاب شريف الشافعي، وهو من الشعراء القلائل الذين نقرأهم ونجد في قصائدهم تمايزاً· وصلني مؤخراً الديوان الجديد للشاعر الشاب <البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية>، ولا تمرّ صفحة من دون أن نقع على الدهشة اللطيفة التي عمل عليها شريف بتأن وإتقان، وهو يتبنى لغة تهكمية جديدة وكأنه يحاول التآلف مع ما لا يتآلف البشر معه، فيقدّم لنا باقة من الآلات والأسماء الخارجة عن محيطنا العادي ليكتب قصيدة أقرب إلى الجو الذي بتنا عاجزين عن تجاوزه، ألا وهو الكومبيوتر وكل الآلات الرقمية· لكن شريف لا يستهدف تلك الآلة، إنما الوجود في معناه الأعمق· شريف الشافعي شاعر شق قصيدته على طريقته! لديه لغة وأسلوب تبناهما من داخل مزاجه وحريته واستقلاليته· لوهلة أولى قد يظن القارىء انه يكتب عن موضوع عام وخفيف· لكن سرعان ما ننتبه، وذلك منذ السطر الأول من كتابه، أنه ابتكر نصاً خارج المألوف· ابتعد عن الكليشيهات المتداولة بشكل واضح وفاضح، لكنه لم يسمح لنفسه بالإنزلاق في تفاهات نصادفها كل يوم في كتب شعرية وغير شعرية، فلم يجز لنفسه بأن يشبه شعراء جيله ممن يستسهلون الكتابة المارقة والكتابة غير المسؤولة· لم يتبنَ اطلاقاً الكلام المبتذل والسخيف الذي يلجأ اليه البعض· فهو يعلم أن الشعر يبدأ عند الوعي والإختلاف· هو يعرف تمام المعرفة أن الكتابة الشعرية عندما تتخطى الجدية تنزلق نحو التفاهة· لذا ما صنعه شريف الشافعي، خروج على السائد وهو الذي لا يفتقر إطلاقاً إلى مادة الشعر التي نعرفها في ميزتها الدائمة· خرج إذاً على القائم والمتداول من باب الآلة والروبوت وكل أدوات العصر الحديث، فقط من أجل التحدي والتمرد على كل ما يحوطه· لا يقول <بانادول> و>المكنسة الكهربائية> و>بابا نويل> ولم يرسم ألواح الكلمات المتقاطعة ولم يكتب أسماء فتيات اخترعها من علم الفلك والنجوم والغوغل أمثال <نونا ونيرمامنا ونيرميتا وميتا وتيتا> وما شابه، لم يخترع كل هذا للتسلية انما لمواجهة أقصى درجات التهور الإنساني عبر أقصى درجات السخرية في اللغة الشعرية· انها السخرية عبر المرارة ، لكن الشافعي أرادها مرارة لطيفة وغير عدائية· الشاعر يمهّد لطريق غير معبدة لأنه يرى أن ما سبق لم يعد قادراً على إحتواء الوجود لإنسان ٍ عصري ضمن لغة معلوكة منذ عقود· أراد الشافعي تعبيراً مغايراً يتناسب مع أحوال الشاب المعاصر· يريد لغة خصبة غير مستنفدة ونضرة، لغة يضحك من خلالها على الدنيا وعلى كل المعتقدات الشعرية السابقة· إشارة إلى أن لغة الشافعي، رغم <آليتها> وهو أرادها كذا بغية التحدي، أي رغم تعاطيها عالم الآلة والمعادن القبيحة، تظل في جوانبها كلها ملتزمة إنسانيتها وعمقها لتناقض الهذيان المؤذي· صباح زوين
المصدر : اللواء اللبنانية |