مجال البحث
المكتبة التراثية المكتبة المحققة أسماء الكتب المؤلفون القرآن الكريم المجالس
البحث المتقدم ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث البحث في لسان العرب ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث إرشادات البحث

الدين والرؤية الأنثوية في رواية «النبطي» ليوسف زيدان-2

عكست الرؤية الأنثوية في رواية "النبطي" ليوسف زيدان، طبيعة العلاقات الدينية والاجتماعية لمجتمع الأنباط، ونمط عيشه وعلاقاته، وموقع المرأة فيه، خلال النصف الأول من القرن السابع الميلادي، بما يظهر الإرهاصات الأولى لظهور الإسلام، فقد رحلت "مارية" القبطية مع قافلة الأنباط من مصر مخطوبة لرجل لا تعرفه، ولم تفلح في تأسيس أية علاقة إنسانية معه إلى النهاية، لأن زواجها لم يثمر مع رجل عقيم، أحول، تتعالى من فيه أبخرة كريهة، فلاذت بشقيقته ليلى، وبأخيه المتنبئ، فالمعتقد السائد قرر أن عدم الإنجاب مصدره المرأة وليس الرجل.

وقد جاء الظهور الأول ل"النبطي" من خلال عيني "مارية" حينما وفد إلى مصر جماعة من العرب الأنباط خاطبين من أرض، فدُفعتْ إلى المجلس لتخدم الضيوف، وتمكّنهم من رؤيتها، حسب التقاليد المعمول بها. كانت خجلة، ومتردّدة، ومع ذلك لم يكن لها خيار إلا تنفيذ ما طلب إليها القيام به، فقالت وهي تصف خاطبيها من الأنباط "رحت أصبّ لكلّ منهم كأسا، فيأخذها من يدي إلى فمه.. في وسطهم عربي لم يشرب كأسه. أخذها منّي بيمناه فوضعها بجواره من دون أن ينظر نحوي، فأمكنني من النظر إليه. ملامحه دقيقة رقيقة، وعيناه المكحلتان واسعتان. ثوبه نظيف أبيض، وعمامته تفوح بعطر خافت. على جانبي وجهه النحيل الرائق، ينسدل غطاء رأسه الشفاف. أتراه خاطبي؟ يا ليته. فهو مثل قديس شاب، أو ملاك تاه عن طرق السماء، فهبط إلى الأرض بلا قصد، ليعيش حينا بين الناس. وهو يأخذ الكأس من يدي المرتجفة، قال بصوت خفيض: شكرا يا خالة. تمنّيت لحظتها بقلب حالمة، لو كان هو الذي جاء يخطبني".

لم يكن هذا الرجل الذي خطف لبّ مارية هو خاطبها، إنما كان الأخ الأصغر لمن سيكون زوجها، فهو "المسمّى عندهم الكاتب لأنه يكتب لهم عقود التجارات، وهو الملقّب هناك بالنبطي مع أنهم كلهم أنباط". وهذا النبطي هو الذي سيعلمها لاحقا "خفايا كلام العرب وأسرار مسّ المعاني بالكلمات". حفلت رؤية "مارية" بكثير من الإشارات التي وجدت لها تحقّقا في المتن السردي. إن السمة التأملية، والوسامة، والكحل، والعطر، والنظافة، والتقدير، وصفة الكاتب، والمتنبئ، ستزداد ثراء كلما تعرّفت "مارية" إلى النبطي، وينتهي الأمر بها شبه مريدة له حينما عاشت عزلتها في بلاد الأنباط، وظلت مشدودة إليه إلى لحظة ارتحالها، وعودتها إلى مصر.

ولم يتفرّد النبطي بوصفه الشخصية المركزية في العالم المتخيل للرواية إنما اندرج في سياق كاشف للمعضلات الأخلاقية السائدة في المجتمع النبطي وفي المجتمعات المجاورة، فتعاليمه رسمت طبيعة التأملات الدينية التي كانت تمور بها بلاد العرب، وظهوره متنبئا مترحلا فيها رسم حالة من عدم اليقين، وغياب الاستقرار، والقلق العام، والاضطراب النفسي، فلطالما هجر الرجال أوطانهم متاجرين مع مصر وبلاد الشام، فيما تركت النساء على سفوح الجبال، وفي باطن الأودية، وحيدات يكافحن العزلة، بانتظار رجال ما أن يعودوا إلا ليرحلوا. وعلى هذا جاءت نبوّته فكرة فردية صقلها التأمل في مجتمع بدوي- تجاري، لم تجد لها امتدادا إلا لدى قلّة من الأفراد، وسرعان ما خمد ذكرها بظهور النبوة الكبرى في أرض الحجاز.

أخفق النبطي في صوغ معتقد تقبله الجماعة النبطية، فكانت العائلة منقسمة بين تأملاته الدينية القائمة على إشاعة فكرة السلام، والحب، والألفة، وتقدير المرأة، ومعتقد الأخ الأكبر الهودي الذي لم يقبل كليا من طرف الجماعة اليهودية كونه من أمّ غير يهودية، ثم معتقد سلامة النصراني الذي اقترن بقبطية، ولم يلبث أن تحول إلى الإسلام طمعا في منافع الفتح الإسلامي، ودفع امرأته للأخذ بمعتقده الجديد مستفيدا مما شاع عن أنه زوج امرأة عارفة بأحوال مصر، الأمر الذي سهّل على المسلمين فتحها، كل ذلك إلى جانب إيمان الأم بالآلهة العربية "اللات". لكن الانقسام الديني في العائلة لم يبلغ رتبة الصراع بين أفرادها إنما كشف تنازعا بين قوى ثلاث هي الوجود الروماني في مصر وبلاد الشام، وبداية انحسار وجود الفرس فيهما وثم في العراق، ثم الظهور الصاعق للقوة الإسلامية في شبه الجزيرة العربية، وفتح تلك البلاد بعد أن مهدت لذلك بمعاهدات حماية وولاء مضمر لتمزيق شمل الأعداء. فتراجع وجود المعتقدات السابقة في المجتمع النبطي، والتهمها إسلام قادم من الجزيرة.

وعلى رأس السلالة تربعت الأم الكبرى "أم البنين"، العربية من قبيلة ثقيف، وهي استمرار رمزي لسلطة الآلهة الأنثوية في مجتمع شبه الجزيرة وتخومها، وكانت من عبّاد "اللات"، وانتزعت قوتها من الأمومة الحاضنة لأبناء يتقاسمون أعمال التجارة والأديان، فصلتهم بالمكان هشة، وعلاقتهم بالآخرين مضطربة، فأصبحت "أم البنين" العروة الجامعة للسلالة بعد أن توزع أبناؤها بين الأديان السماوية الثلاثة، والأعمال التجارية المتنوعة، وقد قضت نحبها حينما بلغها نبأ غزو الرسول مدينة "الطائف" التي عاشت فيها.

توسطت المرأة ثلاثة أقطاب، ديني مثّله النبطي المتأمل، ودنيوي مثّله سلامة التاجر، وشخص مقتلع مثّله الهوديّ، وارتبط الأخوة الثلاثة بأواصر عائلية تبدو متماسكة بسبب وجود الأم الوثنية، لكنها هشة في صلاتها الإنسانية، وفي علاقات الانتساب، وظهر النبطي شخصية مأساوية تساوت مع غيرها في الأفعال السردية التي عرضت جميعها من وجهة نظر "مارية" التي انتهت باعتناق الإسلام دون أن تفهم تعاليمه مجاراة لزوجها. لكن الرحلة بين مصر وبلاد الأنباط كشفت نوع التحولات التي عرفتها من كونها طفلة بريئة عاشت في حاضنة مسيحية متبتلة في مصر، إلى أن انتهت زوجة مهجورة عند الأنباط، فباستثناء العلاقة الحميمة مع ليلى، الشقيقة المطلّقة للنبطي، والخلوات التي جمعتهما معا في كهوف الجبال، وانجذابها الروحي إلى النبطي، والإصغاء إلى تعاليمه الأخلاقية، خلت الرواية من أية علاقات متفاعلة تقوم على الشراكة النفسية والجسدية، فالشخصيات منفرطة في تصورتها وأفكارها ومعتقداتها، فلا تجمعها إلا قافلة مترحلة، أو كهف صغيرة منقور في سفوح الجبال، أو ولائم شواء وخمور قدوما من سفر أو استعداد له. إن رحلة خروج "مارية" من مصر إلى بلاد الأنباط مخطوبة لرجل منهم، ثم عودتها إلى بلادها الأصلية زوجة مهجورة، أخذت دلالتها على مستويين، مستوى فردي مثّله اقتياد امرأة غفل من عالم أليف إلى آخر معاد لم تتوفر فيه الشروط الإنسانية المناسبة لا في طبيعة المكان القاسية، ولا العلاقات الاجتماعية، فانهارت آمالها في تكوين أسرة في مجتمع آخر مختلف في تقاليده ومعتقده، فقيّدت تجربتها في إطار رغبة لم يتحقق مضمونها. ومستوى عام مثّله حضور الأنباط تجارا إلى مصر، ثم ذهابهم إليها مدشّنين للفتح الإسلامي، وكأنهم كانوا عيونا للعرب القادمين من قلب الصحراء.

المصدر : جريدة الرياض السعودية