بيرم التونسي شاعر الغناء العربي الكبير تذكرت بيرم محمود التونسي العلم العالي من ورثة تقاليد الزجل ومجدديه ومبدعيه الكبار في مصر. ومن مر على جسره الكثيرون من شعرائها باللغة المحكية,. وظل شعره حاضراً يستعاد باهتمام وتقدير, حتى بعد مجيء شعراء الأجيال التالية:( فؤاد حداد, صلاح جاهين, عبد الرحمن الأبنودي, أحمد فؤاد نجم, سيد حجاب) الذين أحدثوا خلال النصف الثاني من القرن الفائت, ثورة في مضامين وأشكال وموضوعات وأساليب ومفردات وأوزان وإيقاعات شعر المحكية المصرية المعاصرة. وهو ما فعله أيضاً شعراء المحكية العراقية- منذ مظفر النواب في خروجهم على قوالب وأنماط الشعر المحكي التي بلغت مستوى عالياً في إنتاج الشاعر الساخر والهجاء الكبير, الملا عبود الكرخي.. وكذلك فعل شعراء المحكية اللبنانية (ميشال طراد, جوزيف حرب, طلال حيدر, والأخوان رحباني) في تجازوهم الحداثي المبدع لمنظومات الزجالة والقوالة والحدائين والقصاد الذين مازال فنهم المتوارث يحظى بالمريدين في أقطار بلاد الشام والمهجر. مزاج نقدي وبيرم- وهو اسم تركي يعني عيد بالعربية- ولد في حي شعبي في الإسكندرية في العام 1893 لأسرة قدمت من تونس, في بداية الثلث الثاني من القرن التاسع عشر, فعرفت باسم الشهرة الذي لازمها التونسي يعرفه الكثيرون ككاتب نصوص غنائية مثل مجايليه الكبيرين: بديع خيري وأحمد رامي, ممن اشتهرت كلماتهم بأصوات عشرات المغنين والمغنيات العرب. لكنه تميز عنهما بمزاجه النقدي اللاذع وبتعبيره عن نبض الشعب ومظالمه, ما عرّضه للنفي والتشريد والحرمان والمرض, بسبب وقوفه في صف الشعب وبخاصة طبقاته الكادحة وتحريضه على الاستعمار: الإنجليزي والفرنسي والإيطالي والإسباني, ودفاعه عن قضايا العرب في عموم بلدانهم وعن المستضعفين في العالم. وقد أمضى سبعة عشر عاماً مشرداً في المنافي- طيلة عهد الملك فؤاد الأول الذي هجاه بيرم في إحدى زجلياته كصنيعة للإنجليز: ولما عدمنا بمصر الملوك, جابوك الإنجليز يا فؤاد قعدوك لا نعرف ممن ورث بيرم مزاجه النقدي, لكننا نعرف أنه نشأ وكبر في أوان انطلاق ونهوض الحركة التحررية المطالبة باستقلال مصر وحقوقها بقيادة مؤسس الحزب الوطني مصطفى كامل, ووريثه محمد فريد, وهي الحركة التي تأججت نيرانها وبلغت ذروتها في الثورة الشعبية في العام 1919م بقيادة الوفد فانحاز لها بيرم, مثل أغلبية المصريين, ومثل ابن مدينته ورفيقه في الموقف, الشيخ سيد درويش, صاحب الأغاني الذائعة «الحلوة دي, وطلعت يا محلا نورها, وزوروني كل سنة مرة», وواضع نشيدي الثورة الحيين في الذاكرة: قوم يا مصري مصر أمك بتناديك وبلادي بلادي بلادي, لك حبي وفؤادي وقد شكلا معاً ثنائياً شعرياً, غنائياً, قبل أن يتوفى الشيخ سيد في العام 1923 ويرثيه بيرم بحرقة: آهات كتير سمعتها وانته, عشقت وقلتها آه مِ الفؤاد طلّعتها حسيتها من قلبي أنا! جائزة الدولة التقديرية ومثل الشيخ سيد درويش الذي سيزاح عنه وعن تراثه التجاهل والتعتيم, المفروض خلال الحقبة الملكية, في عهد مصر الناصرية التي أعادت له الاعتبار ومنحته التكريم كمغن أصيل للشعب, واعترف به على نطاق واسع كباعث للنهضة الموسيقية والغنائية العربية, سيكرم بيرم وتمنحه مصر جائزة الدولة التقديرية في العام 1960م. تكون وعي بيرم في الدروب والأحياء الشعبية لمدينة الإسكندرية وفيها اختبر أولى تجاربه الحياتية وعايش آلام وتطلعات الفئات الفقيرة وبسطاء الناس من: عمال وحرفيين وصغار موظفين وفلاحين هجروا الريف بحثاً عن فرص العمل وعانى ما يعانونه من اضطهاد واستغلال وتعسف, ترجمه في قصائد كثيرة لعل أشهرها قصيدته التهكمية الساخرة المجلس البلدي. لكن الإسكندرية التي بناها الاسكندر المقدوني في مطلع الثلث الأخير من القرن الرابع قبل الميلاد, وصارت في القرون اللاحقة عروس المتوسط وحاضرته الزاهية, لم تكن مدينة بؤس وشقاء فقط, فقد كانت أيضاً مدينة ناهضة طالعة من غياب طويل فرضه عليها انقلاب طرق التجارة الدولية وتحولها عنها بعد اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح والعالم الجديد في الشفق الأخير من القرن الميلادي الخامس عشر, والفتح العثماني الذي أطاح بدولة المماليك «المصرية- الشامية» في العقد الثاني من القرن الميلادي السادس عشر. وظلت طي النسيان والرمل حتى لفتت حملة نابليون الانتباه إليها. لكن الوالي «محمد علي باشا» باني مصر الحديثة، هو من سيعيرها الاهتمام كقاعدة للأسطول الحربي وثغر تجاري تتواصل عبره مصر مع العالم، ثم سيبعث النشاط فيها مجدداً: شق قناة السويس، والاحتلال الانكليزي وتوافد الأجانب عليها، فتستقطب المراكز والمؤسسات والفعاليات التجارية والمهنية والمالية والثقافية والإعلامية والفنية. وهذا ما أتاح لبيرم الاطلاع على أساليب وأشكال التعبير الأدبي والفني ووسائط الإعلام الجديدة التي نقلها الأوروبيون وعرب الشام التجار والمتعلمون. تفاعل مع المسرح الغنائي وتفاعل، بخاصة، مع المسرح الغنائي الذي انتشرت جوقاته (فرقة) وقتها بجهد المهاجرين الشوام المتأثرين بفن الأوبرا الايطالية والمسرح الفرنسي، ووجد تعبيره الناضج بهمة أستاذ قدير ذي موهبة كبيرة هو الشيخ «سلامة حجازي» الذي مازلت بعد مضي أكثر من قرن استمع بتأثر لتسجيل قديم لقراءته الشجية لقصيدة «أحمد شوقي» المشهورة في رثاء فقيد الأمة «مصطفى كامل» في الحفل الذي أقيم لتأبينه عند وفاته في سن مبكرة (34 سنة) في العام 1908م: «المشرقان عليك ينتحبان قاصيهما في مأتم، والداني» أما بيرم، فإن تفاعله مع الجديد الوافد، الذي سيظهر فيما كتبه للمسرح الغنائي من نصوص، لم يصل به إلى درجة ذوبان الشخصية، وهو الذي تشرب وجدانه واستوعبت حافظته القوية، الكثير الكثير مما قرأه وسمعه من قصائد، وسير شعبية، وأناشيد، وموشحات، وأشعار، وأزجال، ومقامات وأغان، ومواويل، وادوار، وخطب في حواري الإسكندرية ومشاغلها وبيوتها ومجالسها ومنتدياتها, وهذا– ربما- ما يفسر الصلة الوثيقة التي ربطته بالشيخ«زكريا أحمد» أكثر المجددين الموسيقيين حرصاً على الأصالة والهوية المصرية – العربية، إضافة إلى توافقهما في الطباع الشخصية التي تحترم الصدق وتأنف من الألاعيب المبتذلة الشائعة في الوسط الفني. وقصة مقاطعتهما للسيدة «أم كلثوم»، بسبب ما استشعراه من تقدير غير مكافئ لقيمة فنهما من قبلها، معروفة, وقد امتدت لسنوات قبل أن يعودا للتعاون معها بعد مناشدات المحبين, فكانت ثمرة تلك العودة واحدة من روائع الغناء العربي، أغنية: «هو صحيح الهوى غلاب» التي غنتها «الست» أم كلثوم في أواخر العام 1960، واختار الشيخ زكريا تلحينها على مقام «صبا» الشجي الحزين، كما لو انه كان يستشرف دنو ساعة أجله وأجل صديقه الأثير كاتب كلماتها، بيرم التونسي، الذي لم يطل به الوقت، فرحل في الخامس من شهر كانون الثاني من العام 1961م، ليتبعه الشيخ زكريا في الشهر الثاني شباط من السنة نفسها. المصدر : جريدة تشرين السورية |