مجال البحث
المكتبة التراثية المكتبة المحققة أسماء الكتب المؤلفون القرآن الكريم المجالس
البحث المتقدم ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث البحث في لسان العرب ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث إرشادات البحث

الوسام والإنترنت ... وصرخة الحياة

قرأت في صفحات على «الإنترنت» مقالات يدعو أصحابها الشعراء والفنانين الذين حازوا وسام الرئيس التونسي زين العابدين بن علي الى التخلي عن هذا الوسام بعد العاصفة التي هبّت على تونــس وحمــلت معها الرئيــس الذي مكث في الحكم حوالى ربــع قــرن. لا أدري إن كان أحد من هـــؤلاء الفائزين ســـيلبّي هذه الدعوة، فهم يعـــتبرون أنهم فازوا بوســام تونس وشعبها وليس بوسام رئيسها وإن كان هو المؤتمن عليه. وحجة بعض هؤلاء أن الرئيس المخلوع كان حاز في الدورة الانتخابية الرئاسية الأخيرة نحو تسعين في المئة من الأصوات، مع صرف النظر عن كيفية الحصول على هذا الرقم وعن صحة التصويت وسلامته.

ترى لو كان محمود درويش حياً، هل كان ليعلن تخلّيه عن الوسام الذي منحه إياه الرئيس التونسي الذي بات يوصف بـ «السابق»؟ لا أعتقد. عندما سلّم بن علي الوسام الى شاعر «جدارية» وعلّقه على صدره، ارتفعت أصـــوات عربـــية تنادي محمود درويش برفضه علانية. ولم يتوان بعض خصومه عن مهاجمته آخذين عليه انحناءه أمام سلطة بن علي وتغاضيه عن القمع الذي يمارسه على المثقفين والإعلاميين المعارضين. حتى بعض أصدقاء درويش لاموه على القبول بهذا الوسام الذي يسيء الى اسمه وإلى موقعه الشعري والرمز الذي يمثله. لكن الشاعر رد على الحملة التي واجهها معتبراً أن الوسام هو وسام الشعب التونسي على صدر الشعب الفلسطيني. وقال إن رفضه إياه لن يفسّر إلا كرفض فلسطيني لبادرة رســــمية قامت بها الدولة التونسية التي لا يستطيع الفلســـطينيون البتة تناسي مؤازرتها للقضية الفلسطينية. وذكّر درويش منتقديه كيف أن تونس فتحت أبوابها أمام المقاتلين الفلسطينيين الذين خرجوا من بيروت بُعيد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 واستقبلتهم بحفاء ورحبت بهم... إلا أن محمود درويش كان ليسرّ حتماً للثورة التي أنجزها الشعب التونسي مطالباً بحقوقه المهدورة وبحريته ورغيفه وكرامته... فالمشهد بدا عظيماً وحمل الكثير من المعاني والرموز. إنها ملحمة باهرة كتبها الشعب بجرأته وبسالته وبالقليل القليل من الدم. وهذا ما اتسمت به هذه الثورة التي كادت أن تكون بيضاء، لولا سقوط بعض الضحايا، وكان في مقدمهم أولئك الذين أقدموا على حرق أنفسهم احتجاجاً على الحصار الشامل الذي يمارسه النظام على الشعب التونسي.

قرأت أيضاً في صفحات على «الإنترنت» مقالات لا تحصى تستعيد قصيدة الشاعر التونسي أبي القاسم الشابي الشهيرة ومطلعها الأشهر «إذا الشعب يوماً أراد الحياة...». حتى معظم الصحف جعلت من هذا المطلع عنوان صفحاتها الأولى. وبدا أبو القاسم كأنه نجم هذه الثورة شبه البيضاء وشبه العفوية، هو الذي كتب قصيدته هذه مواجهاً سلطة الاستعمار التي كانت تلقي قبضتها على أوطان عربية كثيرة. أصبح مطلع هذه القصيدة أشبه بـ»اللازمة» التي لا بد من تردادها، وستكون بدءاً من الآن شعاراً سياسياً بعد أن تحقق تنبؤ الشاعر وحقق الشعب إرادته واستجاب له القدر.

شخصياً لم أكن أحب هذه القصيدة ولطالما فضلت عليها قصائد أخرى لهذا الشاعر الذي رحل باكراً، لا سيما قصائده الرومنطيقية التي تفيض عذوبة ورقة. ولطالما توقفت أمام النزعة التفاؤلية التي تندّ عنها هذه القصيدة وسخرت، أجل سخرت، من طوباويتها ومثاليتها ومن براءة هذا الشاعر الشاب، صاحب الموهبة الكبيرة. وكنت كلما استعدت هذه القصيدة التي حفظناها غيباً على مقاعد الدراسة، أسائل نفسي: متى استجاب القدر للشعب الذي يريد الحياة؟ لماذا لا يستجيب القدر للشعوب المقهورة في أفريقيا وآسيا وفي الجنوب، جنوب الكرة الأرضية وكلها شعوب تريد الحياة وتبحث عنها بإصرار وعناد؟ لكنّ حدس أبي القاسم الشابي لم يخب في تونس، فالشعب هناك استطاع أن يحقق إرادته، والأمل كل الأمل أن يحافظ عليها. فمرحلة ما بعد الثورة تكون عادة أشد إضطراباً من مرحلة ما قبلها. إنها مرحلة الانتقال من الشك الى اليقين، من السؤال الى الجواب.

قرأت كذلك في صفحات أخرى على «الإنترنت» مقالات تتحدث عن المهمة الرهيبة التي أدّتها وسائل الاتصال الحديثة مثل «الفايس بوك» و»الأس أم أس» وسواهما، في رصّ صفوف «الثوار» وتنظيم حركة احتجاجهم وتظاهراتهم. وقد حصدت هذه الوسائل الحديثة جداً مديحاً هائلاً وتمّ وصف كيفية اختراقها للحصار الإعلامي الذي ضربه النظام التونسي منذ اندلاع الشرارة الأولى وتمكن عبره من «تعتيم» الإعلام فلم تخرج عن المواجهات إلا صور قليلة التقطت عبر أجهزة «الموبايل»... حتى الصحافة الغربية تحدثت عن هذه المهمة التي قامت بها الوسائل الحديثة في مواجهة القمع الإعلامي، منبئة بنشوء سلاح اجتماعي جديد قوامه «الموبايل» و «الإنترنت» وسائر الآلات الصغيرة... لكن الصحافة الغربية، على خلاف بعض المنابر العربية، لم تبالغ كثيراً في التركيز على نجاعة هذه الآلات في إنجاز ثورة الشعب التونسي، ولكن لم تخفف طبعاً من أثرها.

قرأت وقرأت وقرأت على شاشة «الإنترنت» ما لم أعتد قراءته في الصحافة المكتوبة. ترى هل تكون ثورة الشعب التونسي في وجه من وجوهها ثورة إلكترونية؟ إنها الثورة الإلكترونية ولكن مشوبة بصرخة أبي القاسم الشابي التي بتنا نصدّقها: «إذا الشعب يوماً أراد الحياة...»، هذه الصرخة التي أطلقها الشعب التونسي من صميم القلب وبملء الصوت.

المصدر : دار الحياة