أصوات في اتجاه واحد يستخدم الكثير من الأدباء والكتاب في دول العالم الثالث، مفهوم الغزو الثقافي الذي يعني تدفق المعلومات ومنجزات الأدب والفن، من طرف واحد هو الأقوى في امتلاك وسائل الاتصال والإعلام باتجاه الطرف الأضعف الذي يحتل العرب مقعده في قطاره، ومقابل هذا المفهوم يتحدث الغرب عن العولمة في الثقافة والاقتصاد وكل المجالات دون استثناء، ومن الأخطاء الشائعة تناول مسألة كهذه وكأنها جدل نظري، تلعب فيه الأهواء أو حتى التعصب الدور الأول مع أن الأمر ليس كذلك على الإطلاق، لأنه قضية فكرية وعملية ويومية في حياة الناس الذين يكونون الأغلبية الساحقة من سكان كوكبنا. وربما من المناسب الحديث عن مدى انتشار آداب الدول الضعيفة على النطاق العالمي مقارنة بأولئك الذين يمسكون مفاتيح الشبكة العنكبوتية والأحوال والمعلومات والجيوش والتكنولوجيا، فعلى سبيل المثال يعد الروائي البرازيلي «باولو كويلو» واحداً من أشهر الكتاب الذين يعرفهم القارئ العربي بدرجة جيدة لأن أغلب رواياته ترجمت ونشرت بالعربية وكان أغلبها يعتمد على أجزاء من الموروث العربي الإسلامي باعترافه هو وهو ارث استطاع الروائي الوصول إليه جزئياً عبر ما ترجم منه خلال عقود من الزمن، في إطار الدراسات الاستشراقية، أو ما توفر منه بالإسبانية والانكليزية والفرنسية، فما هو المقدار الذي يعرفه «كويلو» عن مشهد الأدب العربي المعاصر أو حتى القديم منه؟ في حوار مع هذا الأديب البرازيلي، قال: انه لا يعرف شيئاً عن الأدب العربي المعاصر، ولم يسمع بأسماء مثل الجاحظ والبحتري والمتنبي.. وأضاف: إن أحد الجوانب السلبية للعولمة هو هذا، حيث لا توجد ترجمات كافية لكتاب سواء كانوا عرباً أو ايرانيين أو أتراكاً.. توجد امبريالية ثقافية تريد أن تفرض علي ثقافة ليست ثقافتي وطريقة تفكير ليست طريقتي.. ويستطرد: إن ذلك ينعكس بمدى الاهتمام بترجمة الآداب، إذ لا نعرف لماذا لا تترجم الآداب العربية وتنشر على نطاق واسع، بينما يحدث هذا لآداب سطحية ليس فيها ما يساعد على التواصل الحقيقي بين الناس والثقافات. ربما لا يحتاج الفرد العربي المهتم إلى شهادة الأديب البرازيلي المشهور، لأنه يعرف جيداً أن الأكثر شيوعاً في الغرب وسواه من الأدب العربي هو «ألف ليلة وليلة» وشذرات من بعض مؤلفات المتصوفة، وأسماء معدودة من أدباء عرب كتبوا بالفرنسية أو الانكليزية لأنهم عاشوا في أوروبا أو الولايات المتحدة، ورغم هذا فإن «كويلو» يعترف بحاجة كل الناس وفي كل مكان للمنجز الثقافي العربي القديم منه والمعاصر، لكن هذا المنجز لا يصل إلى حيث يجب أن يتمعن فيه القراء في كل القارات. ليس من شك في أن العولمة والغزو الثقافي لا يتحملان وحدهما المسؤولية عن ذلك لأن السؤال يدور حول ما بذلنا نحن العرب من جهود كي تصل أصواتنا وصورتنا، في الثقافة والأدب للملايين، وحين نقول للملايين، فنحن نعني ذلك لأن بعض دور النشر الأوروبية مثلاً، تهتم بتقديم ترجمات محدودة لأسماء عربية لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة، وفي نطاق نخبوي محدود. لقد ترجمت الآثار الروائية للبرازيلي «جورج أمادو» إلى العربية ولكن ما الذي يعرفه أمادو عن نجيب محفوظ أو حنا مينه، وهل سمع بالسياب أو نزار قباني مثلاً؟! المصدر : جريدة تشرين السورية |