«ابن رشد» شارحاً في القرن الـحادي والعشرين رغم مرور أكثر من ستة قرون على وفاته، إلا أن الاختلاف حول شخصية الفيلسوف «ابن رشد» قاضي القضاة لا يزال على أشده،. فبعض المؤرخين العرب يضعونه في خانة فلاسفة العقل، وليس هذا فحسب، بل يعتبرونه مؤسساً للعقلانية في تراثنا، في حين يراه المستشرقون شارحاً لأرسطو بل وأكبر شارح له، فكان «ابن رشد» بالنسبة لهم بمثابة الناقل لاسيما في ترجماته اللاتينية وشروحاته «الأكبر» و«الأوسط» و«الأصغر». فابن رشد كان له الدور الأكبر في نقل التراث اليوناني في وقت لم يتمكن فيه الأوروبيون من شرح «أرسطو». لكن ما يثير الانتباه أن الدراسات تشير إلى أن الأوروبيين استفادوا من تجربة «ابن رشد» أكثر من العرب أنفسهم، رغم أن تأثيره على العقل الأوروبي حتى القرن الثامن عشر كان كبيراً بما سمي «الرشدية اللاتينية» التي مارست تأثيراً على علماء الصوربون من خلال تبيان حقيقتين: لاهوتية دينية وعلمية فلسفية، تلك كانت بمثابة مقدمات ضرورية ساعدت العقل الأوروبي على تأسيس فكرة النهضة فيما بعد. رغم ذلك، يتكون لدينا سؤال حول مفهوم السلطة عند «ابن رشد» في وقت لم يحظ فيه هذا المفهوم بالاهتمام الكافي فلسفياً. التعمق في مفهوم السلطة عند «ابن رشد» يحيلنا إلى معيارين، الأول ثقافي والثاني وجودي «أنطولوجي» أي الطبيعة الوجودية للكائن من خلال جملة الخصائص التي يتميز بها، فنظرة «ابن رشد» للسلطة مزدوجة، وتتجلّى في مشكلة التراث الديني في القرآن والثاني موضوع الصراع على السلطة بين المسلمين أنفسهم، ومن هنا تحددت علاقة السلطة مع الشريعة. وفي تبيان العلاقة الشائكة بين الفلسفة والسياسة، فالفيلسوف عقلاني «عالم بالحقيقة» أما السياسي «عالم بالمصلحة»، حتى أن الفيلسوف لا يُقابل بالترحيب من العامة بل هو موضع شك وارتياب، لأنه - برأيهم- زنديق، ومن هنا واجه «ابن رشد» أعتى معاركه بين طرفي الكماشة وهم الساسة والعامة إضافة إلى الفقهاء. رغم ذلك بقيت فلسفة «ابن رشد» فوق كل شريعة، وظلت السلطة الأساسية للعقل ومهمة العقل هي الارتقاء بالشريعة إلى مستوى العقل رغم صراع «ابن رشد» حينذاك مع الإمام «الغزالي» الذي طرح المشكلات الفلسفية عموماً وفقاً له في كتابه «إلجام العوام عن علم الكلام». أما المعيار الثاني فيحمل ثلاثة مستويات من الخطاب وهي العامي والجدلي والبرهاني، والذي يؤسس لهذه الخطابات هي ثلاثة طبائع بشرية يولّد كل منها طبائع أخرى، ففي حين أن العوام مطلوب منهم أن يكونوا خارج الصراع وأن يقوم علمهم على العمل، ينحصر عمل الثاني أي الجدليون وهم أصحاب الطبائع الوسطى بالعلم المحدد، أما الثالث أي البرهانيون وهم الفلاسفة فهم أصحاب الفطر الفائضة، لذا فهم فئة تتحلى بحرية واقتدار، لكن المصالحة بين هذه الفئات تكون في الحق بالتأويل رغم أن للحقيقة درجات، والإشكالية هنا تتمحور في تأويل النص بما يتطابق مع مقتضيات العقل لاسيما أن «ابن رشد» عاش في مجتمع إسلامي، ورفض «ابن رشد» وفقاً لذلك مظاهر الاستبداد الشرعي الديني من جهة والثقافي العقلي من جهة أخرى، لاسيما بعد أن تأسست فكرة السمع والطاعة ثانية في الفلسفة لتتحول إلى عبادة كأول نوع من الاستبداد. المصدر : تشرين السورية |