نعيش عصر أزمة قراءة الأدب يروج في كثير من الأوساط الأدبية والثقافية العربية وعلى صفحات الصحف أن قراء الشعر في تناقص مستمر بينما تتصاعد نسبة قراء الأجناس الأدبية الأخرى وبخاصة الرواية، فهل هذه المقولة صحيحة؟ وهل فعلا يقبل القراء على الرواية؟ في تحقيقنا التالي حملنا هذا السؤال إلى بعض أهل الاختصاص .
يقول الشاعر كريم معتوق: إذا آمنا بمقولة أن معدلات القراءة أصبحت منخفضة في الوطن العربي، فهذا بالضرورة يعني أن الإقبال على قراءة الأدب ضعيف، بل ربما هي الأقل من بين ما يقرأ، والأزمة لا تخص الشعر بقدرما تخص الرواية وكل أجناس الأدب، لكن بشكل عام تعد الرواية أكثر قراءة نظرا لأنها تتوجه إلى القارئ المتوسط بينما أصبح الشعر يتجه إلى النخبة، ويعتمد لغة خاصة غير متاحة إلا لنوعية قليلة من القراء، وذلك في غياب الشعراء القادرين والحريصين على الوصول مثلاً إلى طلاب الجامعات، وفي ظل الزعم بأن الشعر ينبغي أن يظل نخبوياً وأن يبتعد عن الفئات الوسطى من المثقفين، وهذا زعم أضر بالشعر كثيراً وقلل من قرائه، وليس عيباً أن يكون الشاعر مقروءاً من فئات عريضة من المثقفين، وأنا من الشعراء الحريصين على التعاطي مع طلاب الجامعة ومن في مستواهم من القراء، و لم ينقص ذلك من تجربتي شيئاً ولم ينقص من شعري بل أضاف لها الكثير . لكن من جهة أخرى ينبغي أن نقول إن النجاح في الوصول إلى القارئ ورواج الكتاب ليس دليلاً على الجودة، فهناك نوعيات من الكتب الرائجة في السحر والشعوذة والطبخ وحتى في الرواية التي يقبل عليها الناس، ويتعاطونها بشكل هائل وهي كتب رديئة ولا تحمل أية قيمة ثقافية، فمعايير الجودة تختلف عن معايير التسويق والوصول إلى القارئ . إننا مهما قلنا عن تراجع قراءة الشعر، فسيبقى الشعر فن العرب الأول وستبقى القامات الأدبية العظيمة في الشعر وحده، فلا يوجد روائي بقامة نزار قباني أو درويش أو البردوني، الشعر هو خاصية اللغة الأولى لا يمكن أن يكون عالمياً لأنه لا يترجم، ليس في العالم كله اليوم شاعر بقامة درويش، لكنه لم يحصل على نوبل لأنه لا يمكن أن يترجم كما هو في لغته الأم اللغة العربية . ويرى الشاعر عبد الله السبب: أن الانصراف عن قراءة الشعر ظاهرة واضحة، فالقارئ العربي لم يقرأ الشعر بالكم والكيف الذي كان في العقود الماضية، لكن هل كان هذا الانصراف إلى الرواية؟ من الصعب الجزم التام بذلك، والاتجاه الواضح لدى القراء اليوم هو القراءة عن الرياضة والاقتصاد، وأصبح الأدب مقصوراً على قلة من المهتمين به من الباحثين، وهذا لا يعني أنه لم يعد يقرأ، لكن قراءته في تناقص مستمر نتيجة لعوامل كثيرة، أهمها الاتجاه العام نحو الثقافة الاستهلاكية فعندما ضعفت الثقافة الجادة ضعف الاهتمام بالأدب لأنه أحد أهم مكونات هذه الثقافة، ويمكن أن نشاهد ذلك في نوعية قراء الصفحات الثقافية والصحف والمجلات المتخصصة في الثقافة، فلا يهتم بها إلا القريبون من المشهد الثقافي، الذين يهمهم أن يتابعوا تطور المشهد الثقافي . القاصة نجيبة الرفاعي توضح من حيث المبدأ أن هناك تعصباً للجنس الأدبي من قبل مبدعي كل جنس على حساب الآخر، وترى أن هناك انحيازاً أعمى يجانب الحقيقة، وأن مثل هذه الآراء الشخصية لا يمكن اعتبارها أمراً مسلماً به، وأن من يجتمع عليه النقاد والقراء على حد سواء يدل على أن قراء الشعر يزدادون يوماً بعد يوم، ولك أن تشاهد ذلك في هذا الإقبال المتزايد على متابعة برنامجي شاعر المليون وأمير الشعراء، أضف إلى ذلك تزايد أعداد المشاركين فيهما، من الشعراء أنفسهم . من جهة أخرى تنوه الرفاعي بمسألة في غاية الأهمية، ولها علاقة بحجم المنشور من الإصدارات الأدبية وما يتبع ذلك من مشكلات التوزيع ونشر الكتاب في الوطن العربي، وضرورة أخذ مثل هذه القضايا بعين الاعتبار، ومع ازدياد مساحة النشر الإلكتروني ومتابعة ما يكتبه الأدباء وقراءة حجم ردود الأفعال ما بين منتجي النصوص الإبداعية والمتلقين ترى الرفاعي أن لا أزمة حقيقية في انحسار موجة القراءة، التي تتزايد وإن رشحت كفتها لصالح الشعر، وأن تجربتها الشخصية تمنحها مزيداً من التفاؤل بذكاء المتلقي وبحثه الدؤوب عن كل ما يثري وجدانه ويزيد من وعيه الثقافي والحياتي .
من جانبه يتفق القاص محسن سليمان مع ما سبق وذكرته نجيبة الرفاعي من رجحان كفة المقبلين على الشعر على حساب الأجناس الأدبية الأخرى، ويرى من واقع تجربته الشخصية، سواء في نادي القصة أو الأمسيات المفتوحة في معرض الشارقة الدولي للكتاب أوغيره، أن الإقبال على الأمسيات الشعرية ومتابعتها يتفوق من حيث العدد على نظيرتها القصصية، ويرجع سليمان ذلك لتاريخية الشعر، وذلك الألق الذي يصاحب عملية الإلقاء الشعري، ولكون الشعر يحظى برومانسية خاصة تستجيب لها ذائقة واسعة من جمهور المثقفين والقراء في الوطن العربي . المصدر : دار الخليج |