في الشــعر أخبرني أحد المتعبين من غياهب الغياب عن عزوفه المؤقت عن الشعر، وعن استقالته من عالم الكتابة، حمل حقائب خيبته أودعها ردهات العازفين عن سماع صوت العصافير وهي تبشر بالصباح إذ لم يبق في مسامعهم غير صليل البوم. قال: لما وصلنا إلى الجرف الموغل في التصحر حراً وبرداً جلبت الريح قصاصة موشحة بالسواد عرف القلب مضمونها قبل العين فسالت من المآقي الدموع... راح القلم يردد قوافي النحيب ومطالع التأسي، ومخافة وهن الذاكرة تمترست حروف القصيدة في اللسان بفعل التكرار، إنه يملك نعمة تعليب الحروف فوق الشفاه، لكن النفس ملت الرثاء، قلبت أوراق الفرح في دفاترها العتيقة استعانت بسحر الماضي لتخطي المقت والوقت والنفس يومها (امارة بالشعر)، هو مطيتها اليتيمة لتقهر القهر، يتعجب من حوله من ضحكاته البلهاء وهو يقطع المكان جيئة وذهاباً كمن كان على موعد مع السعادة. ذلك أنه في كل صفاء ونقاء مع الذات كان يتصالح مع الحياة وفي كل كدر وتعسف يتصالح مع الحياة ولا يبخل على سائله بالجواب، قال لي ذات يوم: مع الوقت تصالحت مع الوقت، هو محايد بتكوينه السرمدي، وقد أذن لنا أن نعد عليه مساره فتباسط معنا وعلمنا المشرق صباحاً والمغرب مساءً فكان يوم أول... لكنني لم أتصالح إلى الآن مع الذين لم يستمعوا لقصيدتي التي رثيت بها أعز النساء إلى قلبي أو ربما رثيت بها غربتي واغترابي ولم تكونا شيئاً بالقياس إلى هذه الغربة التي استجدت في حياتي، إذ كيف تعزف أذن عن الإصغاء إلى الشعر وهو يدوّن مفردات الرحيل وانطفاء الفرح في العيون ولو ليوم أو ثلاثة رحلت في صباها الأغر.. فعلمتني فاتحة الكلام شعراً كانت حروف قصيدتي الأولى ونسغها، صحيح أنها تقل عن حروف الأبجدية ستة وعشرين حرفاً، إذ لم يبق من تلك الحروف سوى «حب». وبيوتها واهية عزلاء إلا من حزن ووفاء.. لا أنكر أن أحلاماً وردية راودت نفسي العطشى...سأوسع حروف قصائدي وسأجد دربي إلى القلوب والعقول.. انتزعت حرفيها من وجع وحنين، ولأنني أعرف أن المرأة رقيقة تبكي لمرأى قط بائس قلت ستبكي ابنتها لكنها لم تسمح لأذنيها حالها كحال أخيها أن تعبر القصيدة- إلى مسامعها فمضت إلى ما كانت عليه ومضيت إلى خيبتي.. لكنني أيقنت أنهم لم يكونوا غير غيرهم، هم ككل من صادفت بعد انسحاب الشمس عن الحقول إلى الكهوف، وعن المدائن الكبرى إلى حزام المتعبين الناهضين إلى الحياة بفرح طفولي استعادوه بعد كهولة وشيخوخة. بعد عقد من الزمان اخبرني احد المتعبين صاحب القصيدة التي لم يسمعها أهلها إن شقيق الراحلة كان لديه من الهموم والمتاعب ما يفيض عن حاجة قوم، وأن دموعه جفت وهو يبكي ندماً على ما فعله طوال حياته، وقد أفضى له مؤخراً أن قصيدتك التي لم أسمعها خير القصائد فقد أراحت نفسي المعذبة ولو إني أصغيت إليك لازداد احتقارك لي لأنني عندها سأضحك فقد بت لا أقوى على شيء غير الضحك. أما ابنها (البار جداً) فقد تحاشى سماع القصيدة كي لا يرى العقوق يمشي بين الناس، فهو سليل بيت شعر ولا ينبس ولو ببيت واحد في رثاء أمه، فكيف ذاك، وكيف له أن يتابع الإصغاء وقد فضحت القصيدة التي لم تتل عجزه؟ أما بنتها فحديث ذو شجون.. عندها عرفت كيف يستظل الشعر تحت أوراق ندية كي تمر العاصفة ويعود ليستأنف مهمته قبل أن يلتهم الغبار عيني الشاعر مثلما التهم آذاناً لم تتجهز لسماع كلمة طيبة. المصدر : تشرين السورية |