بين الفصاحة والتعقيد حينما ينفر الناس من القراءة أو حتى من حضور بعض الملتقيات الثقافية، فهم قد مروا بتجارب عديدة، وضعت أمامهم بعض الأعمال التي يظنها البعض أعمالاً مكتوبة بفكر حصيف وبلغة فصيحة، لكنها لا تفعل أكثر من كونها تزيد من نفورهم بتعقيداتها وتدفعهم قسراً للتخلي عن فكرة الاستمتاع بالقراءة، أو بحضور حوارات ثقافية ومناقشات فكرية هادفة، بل وتحول مفهوم الثقافة الى جهد لا يسعى إليه أحد ولا يطلبه شخص حر . وقد جاء في تعريف عن الفصاحة بأن “فصاحة الكلام هي خلوصه من ضعف التأليف وتنافر الكلمات والتعقيد مع فصاحتها” ومثل هذا التعريف المبسط والبسيط، يؤكد أن فصاحة القول هي في تركيب العبارات الواضحة والصريحة والمفهومة للقارئ وفي تمكن القراء من استخلاص المعاني بسهولة والاستمتاع بالتشبيهات اللغوية والاستعارات من دون الحاجة للتوقف طويلاً أمام تفسير التركيب اللغوي الغريب أو الخروج من النص أكثر من مرة للبحث عن معنى كلمة أو عن سبب وضعها في مكان لا يفسرها ولا يوضح مرماها والغرض منها . ومن هذا التعريف يكفي أن نعيد ما تكرر كثيراً بأن كل ما هو واضح وسهل الفهم هو الكلام الفصيح وكل ما هو معقد ومتنافر فهو الصعب البعيد عن الفصاحة والذي يميل الى الغرابة، ولا يمكن أن يصل إلى درجة الإبداع التي وصل اليها النثر أو الشعر قديماً، وكان إبداعاً واضحاً ممتع المعاني وجميل التراكيب، ولم يكن غريب العبارات، ثقيلاً على السمع أو البصر، بل يكفي أن كل ما قيل قديما قد رسخ في رحم التاريخ وتناقلته الألسن والأفواه حكما وأمثالاً يفهمها الكل ولا يحتاج إلى تفسيرها أحد . وفي الأدب كما هو الحال في كل ما هو معد للقراءة ولفهم الغير، ينبغي أن يكون الكاتب فصيحاً في ما يكتبه ويوجهه إلى الجمهور، كي يصل بكلماته التي تحمل أفكاره إلى عقولهم وأذهانهم، وكي يبرهن لهم بأنه مدرك أولاً لما يكتبه، وحريص ثانياً على ما يوصله لهم من أفكار بينة ونقية، وقادر أخيراً على التواصل معهم بأسلوب واضح وفصيح، يفتح أبواب القبول منهم ومن ثم النقاش وطرح الآراء وتداولها بينهم . ومع ذلك فلا تزال مجموعة من الكتّاب رافضة لمبدأ ومفهوم الفصاحة التي تعني لهم البساطة المجردة من الإبداع وتسطيح الفكر، فيعقدون الكلام وسبك العبارات بكلمات لا تتناسب مع بعضها بعضاً أو تغمض في معانيها . ويفشل الكتّاب في الوصول إلى درجة الابداع المأمولة فيعمدون إلى تحقير فكر القراء ونعتهم بالسطحية والرجعية الثقافية . إن الفصاحة هي الفعل الوحيد القادر على تغذية العقول بالأفكار والتواصل مع الجميع تواصلاً سهلاً ومقبولاً، يرتقي بالفكر ويزيد من الوعي ويسهم مباشرة بزيادة جرعة الثقافة واستقطاب الناس للتفاعل معها بدلاً من النفور منها . المصدر : دار الخليج |