طغيان الحلم للشاعرة: كارولينا إيليكا تتميز هذه الشاعرة بقوة الخيال في قصائدها، وتجنح إلى الرومانسية محاولة أن ترسم طقوساً بالغة الشاعرية والحميمية، وهي بالتالي تهتف إلى أن يكون الإنسان أكثر عذوبة مع الإنسان في عواطفه. نالت كارولينا إيليكا ثلاث عشرة جائزة محلية ودولية للشعر والترجمة والصحافة،آخرها الجائزة الكبرى للشعر خلال الدورة الحادية عشرة للمهرجان الدولي /لوتشيان بلاغا/ المنعقد في مدينة كلوج – نابوكا عام 2001 وهي شاعرة ومترجمة وصحافية من مواليد 1951 بلدة فيدرا الرومانية. منذ عام 1975 وإيليكا عضو في اتحاد كتاب رومانيا وهي نائبة رئيس الأكاديمية الدولية /شرق – غرب/ ومديرتها الفنية، والمديرة الفنية للمهرجان الدولي (ليالي الشعر في كوريتا دي أرجيش). تُرجمت أعمالها إلى الإنكليزية والفرنسية والإيطالية والتركية والمقدونية والصربية والأرمنية والبلغارية والعربية، من أعمالها الشعرية: غير مروضة مثل نجمة في المجرة - عبير الشباب - حرارة ولهب - طغيان الحلم، المجلد الأول بوخارست 1982، والمجلد الثاني 1985 - زوال - قصائد باردة، طغيان الحلم، المجلد الثالث بوخارست 1993 - وردية مقدونية، باللغتين المقدونية والرومانية - السلم إلى السماء - طغيان الحلم، بوخارست 1999 - قصائد غير كاملة - بنفسجي، بوتوشاني 2001. كما ترجمت هي إلى الرومانية أكثر من خمسين ديوانا من الآداب الإسبانية والفرنسية والمقدونية والصربية والأرمنية والبلغارية. قسمت الشاعرة ديوانها هذا إلى بابين، الباب الأول سمّته: طغيان الحُلم. والباب الثاني: ثلاث عشرة قصيدة حب. القصيدة المزدوجة تكتب كارولينا القصائد المزدوجة وتجري لقاء بين القصيدتين المزدوجتين وهذه التقنية تعتمد على تسلسل النغمات الشعرية وفق الفكرة العامة للعمل ككل، فتخرج من الديوان وأنت تشعر بأنك قرأت عملاً روائياً، لكن مايميز هذه التقنية أنها على الأعم تركز على علاقة الإنسان بحالة الشاعرية في أعماقه وفي مخياله، والعلاقة الروحية بين الإنسان وذاته، فيكون دور الشاعر أكثر مايكون في إبراز قوة حالة هذه الشاعرية بكل شفافيتها وعذوبتها ورقتها. لاأخفي بأن هذا الديوان هو من الشعر المتميز الذي وقعت عليه في الشعر العالمي المعاصر الذي بدأ منذ الربع الأخير من القرن الماضي، وقد استطاع أن يترك أثراً عميقاً بحيث يصعب معه نسيان هذا الاسم وأنه من دون أي تردد يتوق المرء فيما لو يحظى بين حين وحين بقراءة نماذج جديدة من الشاعرة. إنها تنتمي إلى سلسلة الأدباء الذين تفرض عليك أسماؤهم اقتناء أعمالهم، الكتّاب الذين يثق بهم القراء فيقتنون كتبهم بعيون مغمضة وبأي أثمان. طغيــان الحُلم.. أنا أحلم بأوفيليا مرة في الشهر تقريباً وهي تقطف زهوراً من بين الأعشاب لهملت، ولأنه لايظهر، فإنها تعطيني إياها. مؤخرا أعتقد بأنني حلمت بها أكثر، وفي الصباح أجد ورودا برية شبه ذابلة منتشرة في البيت. نزعت عنها الأشواك، وسأصنع منها حالا سريرا ينام عليه أبسل الدراويش. وفي مزدوجة / مفاتن الليلة / 1 تصف عالم الحلم الخصيب: كيف أترك نفسي على يديك.. أنت الأكثر أنوثة مني تعد بالكثير، ولاتعطي شيئاً.. تهزني في المنام.. تقبلني على كل بقعة من جسمي، يالها من فاجرة! وتجعلني أحلم عندما تقولُ لي مندهشة: كم يتناسق جسمك الأبيض على شعرك الأصفر بين ذراعي الأشد سوادا من السواد. تعقد الشاعرة كبرى آمالها على الحلم في اكتشاف دهشة وعذوبة شاعرية الكائن البشري، فليس بوسعك - بتعريف الشاعرة - أن تعيش حالة الشاعرية لديك إلا إذا استعنت بالحلم ولذلك فهي تفتتح ديوانها مستشهدة بمقولة ساول بيلو: / أولو العقول الكبيرة ليسوا على يقين أبداً بأن كل ما حولنا ليس إلا حلما /. في القصيدة التالية التي تعنونها / أطفالي / تقول: أساعدهم على عبور الشارع، أجيبهم بصبر، أخاف عليهم كثيراً: فهم بسهولة يُخدعون، وبسهولة يُسرقون، وبسهولة يدعسهم الترام فهم الأطفال الأكثر تأملاً، والذين لم يعودوا يلعبون أقرب ذكرياتهم هي ذكريات الطفولة البعيدة ثمة سؤال يُطرح بقوة وأنت تقرأ قصائد هذا الديوان الشعري وهو لماذا كل هذا الهروب من الواقع واللجوء إلى الحلم لاكتشاف لحظات المتعة الأكثر قوة والأكثر شفافية في آن. ثمة قصيدة تحمل لمسات من الواقع بعنوان /اسم أجمل/، قد تجيب على هذا السؤال تقول فيها: بعيني الغائرتين، وبوجهي الشاحب وقفت إلى الشباك أنتظر: مطر ناعم يتساقط في الوهاد، وتلتصق زخاته في النافذة ووقفتَ أنت إلى الشباك أيضا، منتظرا غيري: تلك التي تنتظر، هي الأخرى، أحدا ينتظرني يالها من سلسلة ملتوية! حلقة تشابك حلقة هيا نطلق عليها اسماً أجمل: هو الحب الذي لايُشاطـَر! ولكن يمكن للقارئ أن يكتشف رغم كل هذه الاحتفائية بالحلم أن الشاعرة تشكو من أن حياتها مضت ولم تعش ولم تحب كفاية. تقول في قصيدة / من النار، ومن الجليد / بعد أن تستشهد بمقولة لم تذكر قائلها: / ياللخسارة! عندما أكون عاقلة، لم أكن شابة بعد /. ليس بوسع المرء أن يستفيض في الحديث طويلا عن مناخات وأجواء هذا الديوان، لأن أي استفاضة لاتغني بأي حال عن قراءته، والاستمتاع بدفء شعرية الحلم في ثنايا عذوبة اللغة التي تتميز بها هذه الشاعرة. المصدر : جريدة تشرين السورية |