قراءة في ديوان «أمداء خريف..» للشاعرة.. بُشرى بدر.. بين يدي ديوان الشاعرة «بشرى بدر» وعنوانه «أمداء خريف» تمتد قصائده على بياضٍ مًحيَّرٍ بالتأملاتِ، والحزنِ الشّفيف، والفرح المشوبِ بحذرِ المرأةِ التي تتلفّت حولها وحواليها، يحيطُها رُعب الطقوس والعاداتِ، لكنّها تنتصرُ على هذه المطبَّاتِ بقوةِ الإرادةِ..، والشعورِ بالاطمئنان، تعيش حياتها كما تريد، هكذا ربَّتْ ضناها..، وهكذا هي تربتْ..، شاعِرةٌ واثقةٌ بأن المرأة هي أمُّ المجتمع، والمدرسةُ، والدربُ المُوصلُ إلى الحياة..، وهي المعبرةُ عن وجودِها كشاعرةٍ، وكمربيةٍ، ومُدرِّسةٍ للأدب العربي في ثانويات مدينتها «سلمية» لكن لا تنس مطلقاً مسقط رأسها «القدموس» حيث الولادةُ..، هاهي تقول في قصيدةٍ عنوانها «إليك يا قدموسُ»: «إليك إليك يا قدموسُ، يا من كنتِ لي جذري، بغيركِ قدْ.. فنى زهري وكنتِ الرحْمَ.. لو شاءتْ رياحُكِ دفْقَ أوردتي..» ص 106 تتناوبُ مقاطع بعض القصائد حالاتٌ من التَّصوُّفِ، وومضاتٌ من التَّنهداتِ، وفضاءٌ من الابتهالاتِ، كأنها بهذا تقترب من المتصوّفاتِ المعروفات في التاريخ، كرابعة العدوية.. وميمونة.. وغيرهما..، لكنها تعود إلى رُشدها..، وترفضُ أن تكون هي الطرفُ الأضعفُ في معادلةٍ غير عادلةٍ مابين الذكورة والأنوثة..، وهاهي تُوجِّهُ شِبه خطابٍ شعريٍّ إلى المرأة الأُنثى تقول في قصيدة «غزو الخريف»: «مجبورةٌ أن تكبري، محسوبةٌ كلماتُكِ، معدودةٌ أنفاسُكِ، مرسومةٌ خطواتُكِ.. إياكِ أن تتذمَّري» ص 60 مواضيعُ مجموعتها الشعرية «أمداء خريف» تتماهى في عشق الأرض والإنسان، والمواقفِ الاستشهاديّة، وحب الشّهادةِ، وبعض القصائد تذهب مذهب الحالات الوعظيّةِ،.. والملامح التربويّةِ..، كلُّ هذا وذاك يبقى الوطنُ هاجسُها ومُبتغاها، حيث قرأنا ماذا كتبت عن «القدموس» التي ترعرعت طفلةً بين روابيها الجميلة..، وينابيعها الدَّفّاقةِ، فكانت القصيدة الأشهى والأجمل في هذه المجموعة وهذا رأيي كقارئٍ متابعٍ.. لإبداعاتها الشعريَّة.. تقول: «إلى جبلٍ، إلى سهلٍ، إلى قمم ووديانِ..، لغيمٍ عينهُ انهمرتْ، و«طيَّونٍ» بكل مكانْ إلى نبعٍ.. يعرفني نمير الماء من «حَسَّانْ» أذوقً الصَّفْوَ.. بـِ «الرَّيسْ» وأسكرُ من ندى «البلانْ» ص 108 جغرافيا من الرُّوحِ واللّهفةِ تتزيا..، وتتبرَّج بها قصائدها..، حيث تقول إنَّ القصيدة التي لا أرض لها..، ولا انتماء فهي قصيدةٌ ولادتها ولادةٌ غير شرعيةٍ، وأنا أرفضُ أن تكون قصائدي تحت عناوين «التَّبني، والمستورد..» بعيدةً عن أرصفةِ اللّقطاءِ..، قصيدتي تولدُ وتشبُّ وتكبرُ.. وتتباهى بأنّ لها هويّة وأرضاً وانتماء.. والمجموعة كتبتْ قصائدها على النَّمطين الشّكليين نمط شعر القافية «الفراهيديّة» والشعر التفعيلي.، هاهي تقول في قصيدة «إلى روح الشهيد عماد مُغنية»: «فخر المنايا أن تطول جُسومنا، عارُ الخيانةِ شيمةٌ.. لجبان رضوانُ، رضوانُ الإله ورحمتُه، إنْ صار وعدك جنّةُ الرضوانِ» ص 125 شاعرةٌ أعطت الشهادة والشهيد ماعندها في قصيدة شعر، وهاهي في قصيدة عنوانها «تحيةٌ، فمصافحةٌ، فلقاءٌ وعناق» تقول: «من أجل عينيك اللتين تغلغلا..، في داخلي عشقاً تألّقَ، وانجلى سحراً وإبداعا لأطياف الجمالْ.. ولأجل حبك ضرَّج الوجْهَ انتشاءٌ، عندما.. قلْتَ الـْ /هلا/..» ص 56 يليقُ للشاعرة أن تقول الغزل..، وتُتقن لغة الكلام بهِ..، وتتجلى بأبعاده الممزوجة بالقيم..، والاعتدال بالمواقف، وعدم اللجوء إلى المهاترات، والمواعيد الصبيانيّةِ، الموصلة إلى النهايات الواخمة..، ويبقى العقل سيد المواقف، والقلب ميزان.. العواطف.. هكذا قالت الشاعرة /بشرى/ عن لسان الأنثى التي تبحث عن نصفها الآخر، حيث يسود التفاهم..، والتلاقي في الأمور الحياتية..، وهذه القصيدة كما أراها من خلال قراءتي، وتمعني في ألفاظها، وجملها الشعرية، صوفية الشكل والمضمون..، والموضوع حيث نلامح فيها /أشعار الفارض/ الممعنة في «الغنوصيّة».. تقول في قصيدة «آية التّسهيد»: «ياواهبي حين التألُّق سدرةً، إلاك وحدك ليس يرجع عيدي لا لستُ أرضى غير نارك موقدي، هيهات غيرك أن يلمَّ شريدي..» ص 25 تحاول الشاعرة «بشرى بدر» أن تعيش أشعارها، فهي نبض الحياة التي تحياها.. كما قالت لي..، وقصيدتها تصحو وتنام على صحوةٍ وارتقاءٍ..، تجربتها في أشعارها بائنةٌ لكل قارئٍ، ومتذوقٍ، ومتابعٍ للشعر... وتألقت في كثير من أمسياتها الشعرية، تتميز بإلقائها الهادئ، والمُعبِّرِ، بعيداً عن التكلُّفِ والصراخ كما نراه ونلمسه عند بعض الشاعرات من بنات جيلها، وقد يكون للتربية البيتيّة الأثر الكبير لديها، وهذا ما لمحناه بين تجاعيد..، ومقاطع قصائدها..، اتّزانٌ، وذوقٌ جماليٌّ، ينمُّ عن معرفةٍ اجتماعيةٍ، وحياتيّةٍ، وكيف يكون الكلام المباح عند جهْجهةِ نور الصَّباحِ..، فهذا ما قرأناهُ عن شهرزادٍ وشهريارٍ..، لكن عند شاعرتنا «بُشرى» فالكلام عن مجموعتها.. يأخذ مجرى آخر.. حيث لا هروب.. ولا عقوق..، أو تخطي للقيم والطقوس التربوية ؟! هكذا شاءت.. أن تُخطِّطَ لحياتها وحياة أبنائها العيش ضمن مفاهيم مدروسةٍ وبوعْيٍ حضاري، لا.. انفلات ولا.. شذوذ، كل هذا يدخل في بوابة الأبوَّةِ البطريركية، كل من في الأسرة يُصغي ويُطيعُ عن قناعة وطيب خاطر بعيداً، عن عوامل التهديد والتخويف، وتشبيك الشفاه عن الحوار، وإبداءِ الآراء، حيث التفاهم سيد المواقف.. شاعرتنا «بشرى بدر» تقول على غلاف مجموعتها: «يا صاحبي.. لملم بقاياك الحزينة.. واندثر في غيم صدري.. ريثما، نأتي ببرقٍ فيه نعرف الارتدادْ هذا.. أوانٌ للكروم الـ عُتِّقتْ من جمرةٍ..» هذه هي الشاعرة بباكورة إنتاجها الأدبي، أحبت الشعر أن يكون رفيق حياتها وعزاءها، بعد أن غيب الموت زوجها، وأباها..، وبقيت وحيدة في هذا العالم..، لولا أن دفء محبة أبنائها الذين شبوا عن الطوق، لم يتركوها هكذا تعاني ما تعاني من الفقدان والوجد..، فكان الشعر ملاذها مع حنان أفلاذ كبدها..، هم الزاد والزوّادة.. لآتيات أيامها. المصدر : جريدة تشرين السورية |