ثقافتا اليأس والأمل ما يحدث في الوطن العربي اليوم يدعونا إلى استنهاض ما تبقى من ثقافة الأمل في مواجهة ثقافة اليأس، فالحدث العربي المأساوي “استهداف كنيسة القديسين في الاسكندرية” الذي دخلنا به إلى عام ،2011 وذهب ضحيته 21 شخصاً من المصلين يدفعنا إلى الاعتقاد بأن حالة اليأس أصبحت مرضاً لم يعد من الممكن الاكتفاء الحديث عنه كأنه أمر طبيعي ويجب التأقلم معه، وإنما يجب أن تكون هناك خطة صحية علاجية، قوامها حقنات من الأمل يجب إعطاؤها في العضل العربي، وبسرعة، فاليأس يمكن أن ينتشر، كما النار في الهشيم، بحسب المثل الدارج . في واقع الأمر لا يمكن أن تأخذ ثقافة الأمل دورها من دون مقومات واقعية وموضوعية، فهي ليست مجرد وصفات كلامية يبطل مفعولها لحظة قولها، وإنما استراتيجية كاملة، وخطة نحو تجاوز ما أحدثه اليأس في نفس الإنسان العربي، وفي حياته، وفي خياراته، وفي ثقافته، وفي آدابه، وفي فنونه، وكل ذلك لا يمكن أن يكون من دون إيجاد أرضية للحوار بين الأنا والآخر، أكان ذلك على المستوى الفردي أم على المستوى الجماعي، فحين يغيب الحوار تتمركز الذات على نفسها، ولا يعود الآخر جزءاً منها، وهذا هو المنجز الأساس لليأس كثقافة في تحويلها حياة الأفراد والجماعات إلى حياة تفتقر إلى المستقبل . الأدب العربي منذ نهاية الستينيات في القرن الماضي تحدث عن اليأس بوصفه أحد نتائج الهزيمة التي لحقت بالعرب عام ،1967 وكثير من المفكرين العرب أشاروا بما لا يقبل الشك إلى أن اليأس أصبح جزءاً من منظومة الحياة النفسية للمواطن العربي، كما أنهم أشاروا إلى أن غياب العقل النقدي أودى بالتفكير العربي نحو الظلامية، وإذا نظرنا إلى مسيرة العقود الأربعة الماضية وتقلباتها، سنجد أن فسحة الأمل العربية تقلصت شيئاً فشيئاً، ورغم ازدياد وسائل الاتصال مدعومة بقوة التكنولوجيا الحديثة، فإن حرية التعبير في الوطن العربي بحسب كل التقارير العربية والأجنبية تقلصت بما لا يقارن بين الراهن وبين فترة الستينيات من القرن الماضي، فقد ازداد الحديث عن المجتمع المدني في الوقت الذي عانت فيه مؤسسات المجتمع المدني من غياب القدرة على تطوير نفسها أو تطوير المجتمعات العربية . حقيقة، ما مهام الثقافة اليوم من منظور الصراع بين اليأس والأمل على مستقبل الحياة العربية؟ إن هذا السؤال الذي قد تبدو الإجابة عنه واقعة خارج الإطار الثقافي، إلا أن حقيقة الأمر ليست الثقافة بمعزل عن هذا الصراع، فقد كان لغياب المثقفين عن الشأن العام، وعزل أنفسهم أحيانا لأسباب مقنعة أو ملفقة، دور في وصول الواقع إلى ما وصل إليه . لقد اقتنع المثقف العربي بدور أكاديمي أو مهني معين، وارتضى بالمزايا التي يحصل عليها جراء ذلك الوضع، وغفل عن المهام الأساسية التي استحق عليها صفة المثقف، وهي مهام ذات صلة بالتنوير، والمشاركة في الحوار وإدارته، وخلاف ذلك لا يعود المثقف مثقفا وإنما مجرد موظف، موظف يظن أنه بمنأى عن ما يصيب الآخرين، ولكن ما يجري وعلى غير صعيد لن يعفي المثقف من الإدانة . المصدر : دار الخليج |