أوراق ..الكلام النفيس! يلاحظ بعض النقاد العرب أن الكثير من الأدباء والشعراء أصبحوا الآن يرتادون مناجم التصوف العربي الإسلامي، أو على الأقل أنهم يزعمون ذلك، في النثر والشعر وفي كل الأحوال تبدو هذه العودة متأخرة كثيراً ومن حيث المبدأ لا يوجد ضير، في الادراك الأدبي في مسألة من هذا النوع لأن الأدب بالذات لا يطوي أجنحة أمام الزمن، بل على العكس من ذلك ولدينا أدلة كثيرة في آداب أمم وشعوب كثيرة، كان التصوف العربي الاسلامي بالنسبة لأصحابها خزيناً عميقاً للأفكار والرؤى الأسلوبية في السرد والجرأة في طرح القضايا التي تشغل الانسان من زوايا ليست معتادة وبلغة سحرية، تقول الكثير في القليل من العبارات التي تبقى بمنزلة ذهب للكلام على مر العصور، فالتصوف فوق كل اعتبار هو عشق مطلق في مجالات كثيرة بما فيها اعتصار اللغة وصقل جواهرها والابتعاد عن الزائف والمكرور، ولهذا كان المتصوفة العرب والمسلمون يدركون جيداً مقدار المشقة التي هم فيها. الأمر الذي يتطلب تدريب الذات بقسوة شديدة وفي عصرنا حيث تختلط المفاهيم يعني ما سلف الابتعاد عن زيف الملبس، يقول القشيري عن ظروف عصره: يوجد الكثير ممن يرتدون ثوب الصوفية ولكن بلا تصوف أي أن الأمر يتعلق بأجساد تزعم دون أن تتمتع بروح التصوف ذاته ويكاد أن يصبح هذا موضة، أحد أسبابها الهروب من المادية وعبادة المال والانفجار الاستهلاكي المروع والبحث عن أفراد يحاولون الانفصال عن هذا كله ومحاولة ترك بصمة تقول إنهم أبطال هذا الزمن، فإلى أي مدى يمكن القول بوجود كثرة من الأفراد على هذه الشاكلة وهل يستطيعون أن يصبحوا ظاهرة اجتماعية، ربما من الصعب الاجابة السريعة عن هذا السؤال ولكن يبدو من شبه المؤكد أن عالمنا قد يسمح بوجودهم ولكن ليس بالأشكال التي تظهر في التصوف القديم وبمعنى آخر يقول البعض وهذا مجرد مثال إن الرواية العربية أو الدراما فشلتا في اكتشاف حال الانسان العربي في عصرنا أي ابن المدينة المحكوم بمفاهيم وأنماط حياة وثقافة تبدو معها العزلة الذهبية للمتصوف وكأنها قادمة من عالم آخر أو في أضعف الإيمان من أمكنة هجرتها آلية التفكير الهادئ أو الحكيم ولكن هذا مجرد ظاهر الأمور والقضايا. يقول المتصوف جلال الدين الرومي: «مثلما يغسل الطفل لوحته قبل أن يطبع حروفه عليها، يحول الحق القلب بالدم ودموع الأسى قبل أن ينقش أسراره عليه» هذه العبارات تبدو وكأنها تتحدث عن العلاقة بين الكتابة والقلب فمن كان لديه قلب كبير نظيف ويمتلك ناصية الرؤى يستطيع أن يبوح بأسراره الغامضة والغريبة كما قد تبدو للوهلة الأولى لكنها رائعة في العمق والجمال على مدار الزمن. في النقد الأدبي يمكن قراءة مراحل زمنية طويلة عبر مسألة واحدة هي: البحث عن البطل والبطل هنا ليس بالضرورة الانسان المقدام الذي يخوض المعارك ببسالة بل صورته الاجتماعية وأحلامه وكيفية رؤيته لنفسه وما يحيط به ولهذا فإن الاتيان بأبطال من بطون كتب التصوف، يرسم صوراً باهتة، ولا يكشف عن أبطال حقيقيين يعيشون بيننا ونستطيع أن نجد لديهم ذهب الكلام! المصدر : جريدة تشرين السورية |