قصيدة البوح نجح الشاعر والأديب الأمريكي أثلبرت ميلر في تصوير الواقع الاجتماعي والإنساني العام، عبر عدسة القصيدة، ولذلك جنت قصائده ثمارها في نفس قرائها، وأصبح بعضها لساناً ناطقاً بما أفرزه الواقع من هموم وانتكاسات . وقد أثبتت تلك القصائد، أن الشعر يشرب من ماء الخلود، كلما كان قادراً على التقاط الأحداث وإعادة تشكيلها وصياغتها من جديد بأسلوب شعري وأدبي فني . ولو أردت القياس على الواقع الشعري العربي من هذا المنظور، لوجدت أن الشعر يتكبد خسائر متتالية في الساحة الأدبية التي تعاني من شروخ عدة أفرزتها تلك المدارس التي توغل في تضخيم آرائها، ولا ترى الأشياء من حولها سوى بعين واحدة، هي عينها، ولعل الخسارة الكبرى التي أنتجتها تلك الخسارات المتتالية، هي خسارة الشعر لجمهوره، الذي أصبح في واد، والقصيدة في واد آخر، بعدما ابتعدت عن بنيتها الاجتماعية وعنايتها بالتفاصيل الصغيرة التي تقترب من الواقع المعيش للقارئ، بوصفه جزءاً من بناء النص، وأحد أعمدته التي يقف عليها . وبالرغم مما تعانيه المجتمعات العربية، فنحن ما زلنا نبحث عن تلك القصيدة التي تضم بين أبياتها هذه المعاناة، وتستشعر ما يدور حولها، وكذلك قال الشاعر والناقد العراقي د .علي العلاق، عندما أكد قبل أيام خلال إحدى المحاضرات أن الشعر العربي هو ابن الغضب والغيظ والفقد، في إشارة منه لدور الشعر في نقل الصورة العامة للمعاناة . الشاعر لا يمكنه أن ينسلخ عن مجتمعه وبيئته، وهو القادر بلغته ومخيلته وأدواته أن يحفر في تلك المعاناة ليبني نصه الشعري على أرض واقعها، فالشعر في الماضي لم يكن مجرد جنس أدبي يحفل بفنيات اللغة وقواعد البناء الفني، بل سار على طرق موازية مع الوقائع والأحداث التي واكبت تلك الحقبة، كما كان أداة استنهاض للشعوب ولساناً ناطقاً بحالها، وقد استطاعت الأجيال اللاحقة الوقوف عند أبرز المراحل التي مرت بها المجتمعات العربية والإسلامية في العصور السابقة من خلال توثيق الحدث عبر القصيدة . من هنا تبتدئ القصيدة، ولا يمكنها أن تنتهي عند حدود الذات، كما هو الحال بالنسبة لكثير من الكتابات الشعرية الحديثة، التي بدأت تفصل بين ما يعيشه الشاعر وما يعشيه المجتمع من حوله، وجعلت القصيدة تعيش غربتها منذ اللحظة الأولى لميلادها . للشاعر أن يكتب ما يشاء وأن يزاوج ما بين الواقع والخيال، وأن يذهب في قصيدته إلى المكان الذي يريد بمخيلته وتصوراته وفراسته، ولكن، على القصيدة أيضاً أن تتلمس الأشياء من حولها، لتكون بوحاً جمعياً، ولست أدعو هنا إلى حشر الشعر في مكان واحد ضيق، ولكنني أدعو إلى إعطائه مساحة أكثر اتساعاً ورحابة، لأنه بنظري، لا يقبل تعريفاً واحداً، فهو البوح، والريح، والذات، والجماعة، والرصاصة، واللغة، والمرأة، والوطن . المصدر : دار الخليج |