ثقافة الطعنات الصغيرة! عندما يدور الحديث عن الثقافة يعتقد البعض أن الأمر يدور حول الأدب والفن حصراً وتحديداً، هو مفهوم محدود في المعنى والأثر،. وإن كان جزءاً حيوياً مما نسميه عالم الإنسان الروحي، الذي يشمل نمط العيش والمفاهيم السائدة والعقائد وكيفية رؤية الفرد والجماعة لذاتها وللآخرين، وبهذا المعنى الأخير يقول البعض، بما في ذلك أنظف العقول الأمريكية من أمثال «نعوم تشومسكي» إن دحر ثقافة المقاومة، أو تدميرها أمر مستحيل، في الحروب والمعارك التقليدية، أي باستخدام العنف وحده، وقد أصبحت أوساط كثيرة في الدول المهيمنة تدرك هذه الحقيقة، بطريقة أو بأخرى، فتلجأ إلى أنواع كثيرة مما يسمونه الضغط الناعم، عبر الإنفاق الكبير على وسائل الإعلام، وشراء الأقلام والذمم، ومحاولات التخريب الداخلية، وإثارة الشكوك والفتن، والسعي للعبث بالبيئة المحيطة بأية ظاهرة مقاومة حقيقية تنبئ بأنها تمتلك رؤية صائبة يمكن أن تمسك زمام المبادرة في الحاضر والمستقبل، بما يؤدي إلى بناء مشروع، أو مشاريع ذات جدوى ومصداقية في مقاومة العدوان والهيمنة ومساعي تدمير الإنسان من الداخل، وقد أطلق بعض ساسة الولايات المتحدة على ذلك كله، تعبير «الطعنات الصغيرة» التي قد تبدو غير مرئية، أو صعبة على الرصد والاحصاء، ويعتقد أصحاب هذا النظرية، أنه مهما أنفق من أموال في هذا الاتجاه، فإنه لايساوي شيئاً، إزاء ماقد تكلفه الحروب المباشرة وقعقعة السلاح، مع عدم القدرة على ضمان النتائج. فهل يبالغ هؤلاء في تقدير مكانة الثقافة بالمعنى الشامل الذي ذهبنا إليه؟ لاأعتقد ذلك، لأن خلاصة هذه الثقافة، معناها توفر كل الظروف الملائمة، لأن يتمسك الإنسان حتى الرمق الأخير بأشياء لاتعرفها الاحصاءات الرقمية، من قبيل عدو المقاتلين أو الجنود، ونوعيات الأسلحة ومدى تطورها التقني، فعلى أهمية هذه الأمور فإن مكانتها تأتي بالدرجة الثانية أو ربما العاشرة، إذا قورنت بحالة الإنسان، إذ من البديهيات القول: إن من لايؤمن بشيء لايستطيع القتال دفاعاً عنه، بل إنه لايرغب في ذلك، ويبدو الاستعداد للعيش في أي ظروف، بما في ذلك تلك التي تطمس هويته وكرامته الآدمية وشرفه الوطني، والأمر الأخير ليس عبارة تقال دون أن نسأل المرء عن معناها، لأنها في واقع الحال ذلك النبض، الذي قد نعطيه مسميات كثيرة، لكنه يبقى يحمل دلالة واحدة أو متقاربة الأبعاد. وبالعودة إلى مكانة الأدب والفن والفكر في هذا الادخار، لانأتي بجديد حين نكرر ماكان يطمح إليه أبرز الأدباء والكتاب والمفكرين، وهو أن يكون لمنجزاتهم تأثير مباشر، في المجتمع والناس، وفي الظروف العصيبة، مثل الاحتلال والقهر، فإن هؤلاء قاموا بدور داعية حقيقي لابراز أفضل مافي النفس البشرية من قيم إيجابية تجعل الناس يفكرون بشكل يومي بأهمية كرامتهم الشخصية والوطنية، واستعدادهم للقتال ضد الظلم والعسف، أو ليس الظلم والعسف والامتهان هو أبشع القبائح التي ترفضها السليقة الإنسانية، إلا من شاء أن يبيع نفسه للشيطان من أفراد قلائل في العادة؟ لقد جاهد الغرب خلال العقود الأخيرة لضرب جوهر القيم الإنسانية النبيلة، بإشاعة ثقافة الابتذال والفوضى واللامبالاة والأنانية المفرطة، ويعادل ذلك العمل لجعل الإنسان آلة صماء تأكل وتشرب وتنام وتتناسل، دون البحث عن معنى وقيمة ومغزى الحياة ذاتها، وما سلف ليس كلاماً مرسلاً، بل هو أمر يومي وواقعي يدفع الكثير من العقول في الغرب ذاته، للبحث عن معان إنسانية فعلية، بدلاً من العنف وتجويف الإنسان وتدمير آدميته. المصدر : جريدة تشرين السورية |