فوضى إلكترونية بعد ثورة الاتصالات والمعلوماتية الكبرى، التي بتنا نشهدها، منذ سنوات، ووجدنا أنفسنا منخرطين في لجتها، ازدادت وسائل وأوعية النشر الإلكتروني على نحو هائل، عمودياً وأفقياً، وفي كل صوب وجهة، لدرجة أن كل شخص، بات قادراً على أن يوجد لنفسه قناة أو أكثر للنشر، بعيداً عن الرقابة، مادامت أنها قد غدت عصية عليها، وذلك على مستوى عالمي، ما وفر الكثير لفرص النشر أمام كل من أراد أن يدلو بدلوه، في أي مجال كتابي يبتغيه، ويستوي في ذلك من نضجت أدوات الكتابة والإبداع لديه، أو من لم يتوافر له ذلك . وإذا كان من جملة إيجابيات الصحافة الورقية أن هناك نوعاً من الحرص - عادة - على مراعاة الشروط الفنية والإبداعية للمادة المنشورة، ما يدفع بالكاتب - أياً كان - للاهتمام بمادته المكتوبة على نحو فائق، إلا أن توافر النشر الإلكتروني من خلال التفريخ اليومي الهائل للمواقع والمنتديات، أدى إلى استسهال النشر من قبل كثيرين، بمن فيهم بعض هؤلاء الكتاب الذين عرفوا بأنهم يعنون بموادهم، قبل تقديمها لأوعية النشر الورقية، إلا أن متابعة مواد هؤلاء باتت تبين على نحو جلي أن المادة المخصصة من قبلهم للصحافة الإلكترونية تكون أقل عناية - على صعيد الشكل - من تلك المادة التي يقدمونها للصحافة الورقية التي لم تتخلّ عن أعرافها وتقاليدها . ومن هنا، فقد تم خلط حابل النشر بنابله، كما يقال، وبتنا نفتقد المقاييس والموازين في ما ينشر إلكترونياً، حيث بتنا نجد كماً يومياً هائلاً يكاد يستعصي على التخمين والحصر، من الموادّ المنشورة المختلفة - في كل مجال من مجالات الكتابة على حدة - من بينها ما هو محلّق، بحق، واستطاع أن يستفيد من فضاء النشر الجديد، ويؤسس لرفع وتيرة تواصله بمتلقيه، ليدخل بذلك في مرحلة جديدة، تؤسس فيها الكتابة لأعلى مستوى لها من أداء مهماتها، والتفاعل مع المتلقين، بل وتوسيع رقعة القراء والتواصل معهم، ونجد - في المقابل - موادّ هشّة تقدم للقارىء، تارة باسم المقال، وأخرى باسم الأنواع الإبداعية المختلفة، وهو ما من شأنه أن يفسد الذائقة، ويؤسّس لضروب من الكتابات المبتذلة، ناهيك عن أن هناك من قد يلتبس عليه الأمر، وهو إزاء مادتين إحداهما هابطة، والأخرى تتوافر فيها كل شروط ومواصفات الإبداع . صحيح أن القارىء الفطن، والمتابع، سيميز بسهولة بين غثّ الكتابة وسمينها، بغض النظر عن قيمة وعاء النشر، إلا أن هناك كتابات هابطة، لا تستوفي شروط النشر، وتجد - هي الأخرى - أوساطاً واسعة لها، تمد جسورها إليهم، وتؤثر فيهم، وهذا ما يشكل ظاهرة جدّ خطيرة . مؤكد أن النشر الإلكتروني هو في الوقت نفسه ميدان واسع لصاحب الموهبة الجديدة، يساعد على تطوير أدواته التي لا بد منها، ويمكنه من التواصل مع أوسع شبكة من القراء والمتابعين والمهتمين، بل والنقاد، ليستفيد من خبرات وتوجيهات هؤلاء، إذا استطاع أن يهتدي إلى مثل هذه الدائرة التي تخوله التعامل مع هذا الوسط المعافى، بعيداً عما هو ملوث وفاسد . المصدر : دار الخليج |