الموازنة الشعرية الصعبة حين نقرأ الكثير مما يكتب اليوم على أنه شعر نجده ينأى باستمرار عن واقع اللغة ويجنح إلى استخدام اشتقاقات ونحت لفظي واصطلاحات قد لا تستجيب لها اللغة صرفاً ومعنى فينشأ الغموض المُخِلّ والبعد عن الواقع اللغوي للثقافة العربية، هذا إلى جانب صناعة الصورة التي لا تجد في أحيان كثيرة أرضية في الواقع البيئي ولا النفسي ولا حتى التخيلي للعربي لكي يستطيع أن يقارب دلالتها، فتبقى معلقة على قارئ لم يولد وقد لا يولد في ما يستقبل من الزمان . ليست هذه الأزمة وليدة اللحظة فقد عانى الشعر العربي منذ أواسط القرن الماضي من تيارين يتناوشانه، وينأى به كل منهما عن واقع اللغة والمستمعين لها المتحدثين بها، وهما تيار التقليد الذي لا يركن إلا إلى لغة الماضين وصورهم، ولا يلتفت إلى الواقع وما يفرزه من لغة أو يتيحه للشاعر الحصيف من صور، فقتلوه بهذا التقليد الأعمى والتكرار الممجوج لصور وأخيلة الأقدمين، وأما التيار الثاني فهو الذي بحث عن التجديد لكنه أخطأه بتجاوزه لمعطيات الواقع اللغوي ومشخصات الصورة الحديثة الماثلة أمام ناظر وخيال الإنسان المعاصر، فافتعلوا لغة وصوراً مبتورة عن الحياة، فنشأ عن ذلك الغموض ما زهد القارئ العربي في كل ما يمت إلى الشعر بصلة . قلة هم الشعراء العرب الذين استطاعوا في تاريخ الشعر الحديث إقامة موازنة دقيقة بين المقتضيات الشعرية ومستلزمات التعاطي مع الواقع اللغوي والصوري لحياة الناس وهي بطبعها موازنة صعبة وغير متاحة إلا للمبدعين الأفذاذ، وفي المصطلحات النقدية التقليدية يسمى مثل هؤلاء الشعراء بشعراء الطبع، وهم الذين يتميزون بقرب المأخذ ولا يكلفهم التصوير عناء كبيراً، وهناك أسماء عديدة كثيرة في سماء الإبداع الشعري العربي الحديث تنتمي إلى هذه الفئة، منذ أحمد شوقي إلى أحمد بخيت مروراً بالسياب والبياتي وصلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي ومحمود درويش وسميح القاسم وغيرهم ممن استطاعوا أن يحققوا تلك المعادلة مع تفاوت بينهم، لكن المثل البارز لها هو الشاعر نزار قباني، وقد تميز شعره بسمات كثيرة في المضامين والفنيات، واختلفت الآراء حول إبداعه تبعاً لاعتبارات كثيرة منها ما هو يتعلق بأشياء خارج الفن الشعري، لكن يبقى أن نزار هو أبرز من حقق تلك المعادلة الصعبة، فهو يلتقط لغته الشعرية من بيته الدمشقي وحديقته، من سجادة أمه وسريره، من ورق الجرائد وقارعة الطريق، من ملاقط شعر حبيبته ومساحيقها ومرآتها، من شظايا بيروت وفلسطين وأشكال السجون العربية، باختصار من كل نسيج حياته وتشكيلاتها التي شكلت أيضاً منبعاً ثرّاً لصوره وأخيلته اغترف منه الكثير من الصور البديعة الجميلة . إن الشعر لا يمكن أن ينفصل عن الواقع الثقافي واللغوي والبيئي لحياة أصحابه وإذا فعلها حكم على نفسه بالموت، ولن تنفعه إذ ذاك دعاوى التقليد أو التجديد. المصدر : دار الخليج |