اللغة أداة رئيسة في صراع القوة مما نجده في كتاب (بذور الكلام.. أصل اللغة وتطورها) تأليف: جين أَتشِسن.. ترجمة: وفيق فائق كريشات، أن البشر كائنات غريبة في محيطها. فنحن بالنسبة إلى محيطنا الحيواني نوع فريد، ويضاهي في غرابته الهوتزن (طائر أميركي جنوبي أزرق الوجه لامعهُ وأحمر العينين كبيرهما وبرتقالي الصدر يعيش في غابات الأمازون المطيرة. وينفرد الهوتزن عن غيره من الطيور بما طوّره من جهاز للهضم شبيه بجهاز الهضم عند البقر).. ونحن البشر غريبون الغرابة نفسها، لأن اللغة، بما فيها من أصوات سريعة ومحكمة، تشبه غناء الطير أكثر مما تشبه الإشارات الصوتية لدى القردة... وقد مضى زمن طويل كانت فيه دراسة أصل اللغة دراسة سيئة الصيت، لكن السنوات الأخيرة شهدت بعثاً جديداً للاهتمام الكبير بها... ومعرفة أصل اللغة يتطلب أخْذ الأجزاء الكثيرة للدليل، سواء الأجزاء اللغوية واللالغوية، وتجميعها كتجميع لغز الصورة المقطعة... ولغة البشر شيء غريب: إنها لتستطيع التعامل مع أي موضوع، حتى لو كان خيالياً، وهي تشارك منظومات التواصل عند الطير بأشياء تفوق عدداً ما تشارك به صيحات أبناء عمنا من القردة... إن أوجه الشبه بين اللغة وغناء الطير تفترض أن المنظومات الصوتية المعقدة قد تكتسب سمات متشابهة اكتساباً مستقلاً. وفي أحد التساؤلات نقرأ: هل بدأت اللغة بسيطة ثم تفصّلت بعد ذلك، أم كانت شيئاً مخلطاً تخليطاً جوهرياً ثم تَشذب؟ يرتبط هذا الأمر بمسألة السرعة، فهل انبثقت اللغة انبثاقاً سريعاً مثل الأرنب الخارجة من القبعة، أم انبثاقاً بطيئاً دام آلاف السنين؟ إن هذه المسألة المختصة بأصل اللغة وغيرها من المسائل تحتاج إلى المناقشة على أساس يقوم على المزيد من المعلومات الأولية التي تخص اللغة. إن اللغة أداة رئيسة في صراع القوة. وإن قوتها على الإقناع في ميادين الحياة الخاصة والعامة أمر معروف على مر الأجيال: «مما يكاد أن يكون مقطوعاً به أن كسب ودّ أي امرأة أمر ممكن بأنواع شتى من الإطراء، وكذلك يمكن استمالة أي رجل بنوع معين من الإطراء» على ما ذهب إليه إرل تشسترفيلد في رسالة إلى ابنه (1752). وهاهي البطلة الساخرة في رواية الكبرياء والهوى لجين أوستن تبدي رأيها في خاطب معسول اللسان: «إنه لمن سعادتك أن تحظى بموهبة الإطراء مع الرقة». فهل لي بالسؤال: أهي مجاملات بنت وقتها أم إنها ثمار درس قد سبق؟.. أو انظر إلى رئيس التحرير ومحاولته التخلص من أحد الصحفيين وعمق استقصائه على ما جاء في بيت أوراق اللعب رواية مايكل دوبز: «كان يقلب في رأسه صفحات معجم الكلمات الفارغة ذات الوقع الرصين، ويفتش عن الكلمات الملبسة التي تُشيع في السامع شعوراً دافئاً بالأمل». كان كتاباً قلِّب بحرص.. وقوة الإقناع أمر واضح هذه الأيام في مجال الإعلان، ولقد قال جوزيف إي ل?اين المنتج الأميركي للأفلام: «يمكن خداع الناس جميعاً كل الوقت إذا كان الإعلان مناسباً والميزانية وافية... وكذلك اللغة السياسية، فهي، على قول جورج أُروِل «مُعَدَّة لإسباغ الصدق على الأكاذيب والاحترام على المجرم، ولإعطاء الهراء المحض مظهراً من الموثوقية».. ومما يظاهر هذا القول القاطع فقرة اقتطفت من الوقائع الرسمية لاجتماع عقد في البيت الأبيض (1969) ونُسب فيها إلى ريتشارد نيكسن الرئيس الأميركي الأسبق أنه قال: «يمكنكم القول إن هذه الإدارة سوف تشن على مشكلة الفقر هجوماً تاماً بعيد المدى لم يسبق له مثيل». استخدموا كل الألفاظ المنمقة مادامت لا تكلفنا مالاً... إذاً، إن التأثير في الآخرين وظيفة مهمة من وظائف اللغة، ويلاحظ أحد الباحثين فيقول: «إن اللغة طريقة فعّالة لتغيير سلوك الآخرين.» ويمضي قائلاً: «فبالحديث تستطيع أن تغير فعل المرء». وهذا ينطوي أحياناً على نتائج غير لفظية من مثل ما يحدث حينما نطلب من إنسان أن يحرك شيئاً ما أو أن يأتي بشيء ما إلينا. وأحياناً تكون له نتائج لفظية من مثل ما يحدث حينما نغير ما يجب على أحد الناس أن يقول في شيء من الأشياء. المصدر : تشرين السورية |