خربشة على صدر الريح كل ما يفعله المثقف يبدو أحياناً خربشة على صدر الريح، وهذا ليس تشاؤماً من قبيل زيادة الطين بلة، وإنما تقرير حال عربي لحظة الحديث عن الرصيد الثقافي، وهو رصيد لا يكفي أن يكون موجوداً، فالمطلوب هو الفعالية، وما ينتج عن تلك الفعالية إلى الإنتاج، وكل إنتاج لا يدخل في صلب النسيج الاجتماعي والإنساني يصبح فائضاً عن الحاجة . حقيقة، إن عمر الثقافة العربية الحديثة يزيد اليوم عن قرن ونيف، وقد مرت هذه الثقافة بتحولات وانعطافات كثيرة، لكن المشكلة، بل الطامة الكبرى أن كل تراكم تحدثه الثقافة تأتي الوقائع لتنسفه عن بكرة أبيه، ويكفي أن نعود إلى مسيرة الثقافة في حواضنها العربية الكبرى لنرى الانفصال الهائل بين ما أنتجه مثقفو تلك الحواضن وبين الواقع اليوم، والمؤشرات كثيرة وأكثر من أن تعد أو تحصى . في التاريخ العربي الحديث محطات فاصلة، ويمكن اعتبار بداية التسعينيات من القرن الماضي واحدة من تلك المحطات التي نعيش آثارها إلى يومنا هذا، فقد كانت الثقافة قبل تلك الفترة مرتبطة بالطبقة الوسطى التي كانت تشكل جزءاً كبيراً من مجتمعاتنا العربية، وهي طبقة راحت تتقلص بفعل التغيرات العولمية، وأدى تقلصها إلى شرخ في نسيج مجتمعاتنا، وقد خسر المنتج الثقافي الشريحة التي كانت تدعمه . إذاً، هل يكون مصير المثقف أن يكون في وادٍ والمجتمع في وادٍ آخر؟ . المؤشرات الموجودة لا تحيل إلى قرب اقتران جديد بين المثقف ومجتمعه، فقد أضافت ثقافة الاستهلاك أزمات جديدة إلى أزماتنا، حيث ازداد موقع القيمة السلعية في حياة الأفراد والمجتمعات على حساب القيم الأخرى، وإذا كنا كعرب في الأساس لم نستطع أن نتجاوز قيم وانتماءات ما قبل الدولة الوطنية فإننا قد أصبحنا أمام قيم شرسة من طبيعة عولمية ما جعل ساحة القيم ذاتها في حالة من الاختلاط، وجعل المثقف أمام حالة جديدة يحتاج تفكيكها إلى أدوات ومفاهيم من طراز مختلف . لقد أنشأت الحالة الجديدة نوعاً من الارتباك لدى المثقفين، ونحن نشهد اليوم عودة إلى نقاش الكثير من البدهيات على غير صعيد، حتى إن البعض راح يشكك في الكثير من المنجزات الأساسية للحداثة العربية، وكأننا نعود إلى المربع الأول، وبعض الجدل الفكري اليوم يشبه في المسائل التي يتداولها أموراً لا تختلف كثيراً عن أمور اعتقد البعض أن الجدل حولها قد حسم منذ عقود، لكن المؤسف حقاً أن ما يحدث هو واقعي، وبمعنى آخر أنه يحدث في الواقع وليس أمراً متخيلاً، لكن من الصعب أيضاً أن يكون تاريخ الثقافة تاريخياً ارتدادياً، فالتاريخ لا يعيد نفسه غالباً إلا بطريقة ساخرة . ما الذي يمكن أن يفعله المثقف إذاً غير أن يخربش على صدر الريح؟ المصدر : دار الخليج |