مجال البحث
المكتبة التراثية المكتبة المحققة أسماء الكتب المؤلفون القرآن الكريم المجالس
البحث المتقدم ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث البحث في لسان العرب ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث إرشادات البحث

أمجاد الكتاب في تاريخ الدولة الإسلامية

د· عمر الطبّاع ذهب إبن خلدون في مقدّمته المشهورة <الى ان النفس تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت اليه·· ولذلك ترى المغلوب يتشبه ابداً بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه في اتخاذها واشكالها بل وفي سائر احواله>·

هذا والغالب - بحكم التحوّل من البداوة الى الحضارة، وبفعل التمازج، وبما ان المغلوب سابق في العلوم والصناعات، محكوم بأن يقتبس من المغلوب اسباب ما وصل اليه من رقي في العلوم والصناعات وفي الحياة العقلية والشؤون الاجتماعية وهذا حاصل بفعل المجاورة والمساكنة، وببواعث شتى تمليها طبيعة العمران والتحضر·

ولنا في تاريخ العرب والإسلام الشواهد على صحة هذه القاعدة· فقد نقل العرب عن الأمم التي دخلت في حوزتهم، في جملة ما نقلوا معارفهم وعلومهم، وكان اكثر <ما نقلوه عن الفرس والهند، في مجال الفلك والرياضيات، ونقلوا عن اليونان اما مباشرة، واما عن السريانية والفارسية، مجموعات العلوم التي تتصل بهم>·

ولئن كانت حركة النقل او الترجمة محدودة وضيقة، في العصر الأموي، والعصر العباسي الاول، فقد نشطت وازدادت حدة وقوة ونمت نمواً عظيماً في العصر العباسي الثاني··· وكان دور الخلفاء العباسيين مشهوداً في هذا المضمار، ومن الامثلة على اغداقهم الاموال الضخمة على المترجمين·

ولا ريب ان حركة النقل والترجمة هذه التي اذكاها الخلفاء منذ عهد الرشيد فالمأمون فالمتوكل والتي اتسعت الى كل العلوم العقلية وفي طليعتها الرياضيات والفلك والفلسفة··· هي التي حققت تأسيس المكتبات الخاصة بالافراد، والعامة التي تقوم الدولة على رعايتها وادارتها، وفي طليعة هذه المكتبات خزانة الحكمة <التي شادها ببغداد هارون الر شيد، واقام عليها يوحنا بن ماسويه لترجمة الكتب الطبية القديمة، وكيف تحوّل بها المأمون الى ما يشبه معهداً علمياً كبيراً اذ ألحق بها مرصداً فخماً، ووظف بها كثيرين للترجمة>·

وفي هذا العصر بالذات كانت هناك مكتبات المساجد التي كان العلماء يقفون كتبهم عليها ليفيد منها الطلاب·

ولا ريب ان هذه المكتبات، الخاصة منها والعامة، كانت ذات باع طويل في التطور بعامة، وفي انتقال الارث الحضاري من الامم المفتتحة الى الفاتحين من العرب والاسلام الذين اسهموا بدورهم في انتشال الغرب من ظلمات العصور الوسيطة الى عهد التنوير·

لقد حضرتني تلك الحقائق عن دور التفاعل بين العرب الفاتحين تحت لواء الإسلام ودولتي الروم والفرس، وما نشأ عن ذلك من الانصهار المديني والحضاري، والتحوّل الواسع الذي آذن بالانقلاب الكبير في موازين القوى ودورة الزمن وما تحمل في ثناياها من عوامل السقوط والاندحار، في جانب، والغلبة والرقي في جانب آخر·

بلى، مرّت تلك الوقائع في ذهني وأنا أزور المكتبة الوطنية في بلدة بعقلين، وأقف مدهوشاً وسط قاعاتها وهي تزخر بالآلاف من كتبها في رفوف منتظمة وتنسيق علمي آخاذ· وفي الآن نفسه قفز الى وجداني وبمرارة غياب المكتبة الوطنية الام في العاصمة بيروت، منذ عقود عن اداء دورها في الحركة الثقافية بل البناء الحضاري·

ان المكتبة الوطنية في بعقلين اكتسبت على مر السنوات <منذ تأسيسها سنة 1987 كما جاء في المطبوعة الخاصة بقيام هذا الحدث الفذ برعاية وارادة سعادة النائب الاستاذ وليد جنبلاط الى مئة الف مجلدة في شتى حقول المعرفة وبحسب التنظيم المتبع في تأسيس المكتبات الكبرى· والمكتبة بناء على قرار مجلس الوزراء رقم 14 تاريخ 9/10/1996 باتت مؤسسة حكومية تابعة لوزارة الثقافة ولا يسعني في هذا السياق الا الاضاءة الكاملة على تاريخ هذه المكتبة العريقة في بعقلين والتي تشع بدورها التثقيفي في ربوع الشوف وبلداته الزاهرة، فإن هذا يحتاج الى مقال خاص· إني أكتفي بأن أنحني امام النخبة التي تقوم على ادارتها وتنظيم العمل فيها عنيت مدير المكتبة الاستاذ غادي صعب، ونائبه السيدة غادة ابو شقرا، ومهى العقيلي رئيسة قسم الفهرسة، وما يزيد على نحو عشرين موظفاً ادارياً يشرفون على شؤون المكتبة الادارية، والاعلامية، وقاعة المطالعة، ومكتبة الاطفال، وكل ما يتصل بأقسام المكتبة الرئيسية· ان مبنى المكتبة، يعتبر اثرياً لأنه شيّد في عهد الدولة العثمانية ليكون مقراً للقائمقامية آنذاك، ثم استخدم في الدولة اللبنانية مخفراً للدرك وسجناً، قبل ان يتحوّل الى مكتبة ذات دور ثقافي لا في بعقلين وحدها، بل وسط بلدات الشوف التي لا تقل عن بعقلين مكانة· إنني في الوقت الذي اشيد فيه بمكتبة بعقلين الوطنية والقائمين عليها الذين بفضلهم تنثال محفوظات المكتبة بكل ألوانها ومخطوطاتها جداول ثرّة من المعرفة الى عقول الناشئة في ذاك الجانب من أرض الوطن، اتطلع الى اليوم الذي يتم فيه بناء صرح المكتبة الوطنية الكبرى في بيروت عاصمة الجمهورية، ليلعب دوره في إشعاع لبنان الحضاري بعد نحو ثلاثة عقود ونيف على الفترة التي كانت تسهم فيها المكتبة الوطنية في دورة الحياة الفكرية في لبنان، فقد آن الاوان لتجاوز المرحلة القاهرة من الركود، لكي ينبثق ينبوع العرفان في بيروت كعاصمة للكتاب في المحيط العربي·

المصدر : اللواء اللبنانية