مجال البحث
المكتبة التراثية المكتبة المحققة أسماء الكتب المؤلفون القرآن الكريم المجالس
البحث المتقدم ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث البحث في لسان العرب ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث إرشادات البحث

«يحيى» : قراءة سردية لتاريخ مغيّب * يحيى القيسي

يبدو أنّ الروائية "سميحة خريس" قد اختارت في عملها الجديد"يحيى" أن تذهب لمنطقة مختلفة سواء في التعامل مع الزمن أو الموضوع أو الشخصيات وحتى أيضاً التقنيات ، ويمكن لقارئ"يحيى" أن يتلمس بكل وضوح جهدها الهائل في صياغة رواية مكتملة وعميقة وذات تشعبات عديدة تحاول أن تحيي من جديد شخصيات مرت في المدونات التاريخية بشكل عابر قبل نحو 400 سنة في الأردن بشكل خاص ، والقاهرة ودمشق والمنطقة بشكل عام ، منطلقة من شخصية "يحيى" الشيخ الصوفي والثائر الكركي الذي دفع حياته ثمنا لمبادئه ، ودفاعه عن المظلومين ضد الظالمين سواءً من أهل البلاد أو مستعمريها في تلك الفترة المبكرة من الحكم العثماني.

أذكر أنني قبل نحو سنتين أو ربما أكثر سمعت الصديقة خريس تقول لي بأنّها قرأت عن شخصية أسرتها ، وأنها لا تملك الكثير من المعلومات عنها إلا أنها لثائر وصوفي من الكرك قطع رأسه بسبب أفكاره ، وأنّها تفكر بكتابة رواية عنه ، لكنّ المصادر شحيحة ، ولم أتابع الأمر لاحقاً ولم أسألها ما تمّ بشأن تلك الرواية حتى رأيتها عياناً وقد تحولت من فكرة إلى كتاب ضخم في 455 صفحة وصادر عن "ثقافة للنشر والتوزيع" في الإمارات وبيروت ، وكم شعرت بالغبطة وأنا التهم صفحاتها الكثيرة ، وأغوص في تفاصيل هذه الشخصية الإشكالية التي ولدت وعاشت شطراً من حياتها في الكرك ، ثم تلقت العلوم الشرعية في مشيخة الأزهر ، وواصلت رحلتها في سوريا أيام العثمانيين ، وكيف أصبحت أفكار الرجل التحررية من ظلم الأتراك مصدر رعب للحكام وأذيالهم في تلك الفترة ، ولم يجدوا من وسيلة لوأد هذه الأفكار غير القضاء على صاحبها عبر اتهامه بالخروج على الملة والكفر وبالتالي إباحة دمه..،

ما أودّ القول عن رواية"يحيى" أنّها عمل يتضح فيه الجهد البحثي الكبير والمعمق عن حقبة تكاد تكون مجهولة لدينا بشخصياتها وأحداثها ، فثمة قطيعة تاريخية ومعرفية تحتاج إلى جهد المؤرخين أولاً لوصلها ، وبيان ما تم بها ، وقد بدأت بعض هذه الجهود تبرز إلى العيان ، ولكن السرد الأدبي لم يقترب منها كثيراً ، ولهذا فإن سميحة خريس هنا مثلاً تقوم بجهد هائل من أجل نسج رؤية تاريخية على شكل سرد متوهج وبسوية عالية عبر اهتمامها بكل التفاصيل الصغيرة والكبيرة وربطها معها في سياق متكامل لتقديم عمل مقنع في النهاية للقارئ والمؤرخ والناقد معاً.

فالحياة الاجتماعية في الكرك مثلا قبل أربعة قرون تحتاج إلى معرفة العديد من الأمور ودراستها مثل الطعام والشراب والعادات والتقاليد والمذاهب الدينية والوضع السياسي والعلاقات التجارية مع المناطق المجاورة ، ثم هناك متطلبات أخرى حسب حركة الشخصيات ولا سيما في القاهرة والجامع الأزهر تحديدا والأسواق وطبيعة أمثال وأغاني وانشغالات أهل تلك الفترة ، والوضع السياسي أيضا ، وهذا ينطبق على دمشق التي انتهت حياة يحيى فيها ، ولا ننسى التوجهات الدينية وحركة القوافل وتفاصيل الحكم التركي من ناحية مسميات الإدارات أو الحكام ، وبالطبع فإنّ التركيز على فترة تاريخية تمتد لخمسين سنة على الأقل وإضاءتها أمرّ ليس باليسير..،

وعموماً فقد وظفت خريس العديد من الوثائق والرسائل والخطب والتراث الشعبي الشفوي والمكتوب في روايتها الجديدة بشكل موفق وسلس ، وأشارت لكل اقتباس أو عبارات من كتب أخرى بل زادت عليها في نهاية الرواية بوضع أسماء المراجع التي استفادت منها ، وتلك خاتمة وددت لو أنها استغنت عنها ، ففي النهاية يريد القارئ عملا أدبيا خالصاً دون ضرورة لمعرفة مرجعياته بشكل تفصيلي ، وهذا اجتهاد في النهاية قد يروق لأحد من القراء دون غيره ، ولكنّ ما يميز رواية يحيى ليس التوثيق التاريخي والاجتهاد في البحث بل الإبداع الروائي نفسه ضمن تقنيات سردية متعددة ، وصياغة الشخصيات وحركتها وطريقة التعبير عن عوالمها الداخلية والخارجية وهواجسها بشكل شائق غير ممل رغم طول العمل ، فالسرد ظل محافظاً على سويته العالية حتى النهاية ، وأعتقد أنّ هذا العمل يشكل إضافة نوعية لتجربة خريس الطويلة نفسها وللمشهد الروائي الأردني ، ويحتاج إلى الكثير من الانتباه وإعطائه حقه من الدراسة والاحتفاء ، لا سيما وحال الكتابة عندنا كالقابض على الجمر أو العاضّ عليها بالنواجذ..،

المصدر : جريدة الدستور الأردنية