مهمة عاجلة في كل يوم تندثر لغة من لغات البشرية، وبحسب منظمة اليونيسكو الدولية والمهتمين بالثقافة والتراث، فإن رحيل المعمرين من الأجداد والآباء يأخذ معه ما حفظوه وتعلموه من تراث ثقافي غير مادي، أخذوه عن آبائهم وأجدادهم، وبخاصة إذا لم ينقلوه إلى الأبناء أو الأحفاد قبل رحيلهم. وفي زمن العولمة والإنترنت وزوال الحدود أمام تدفق المعلومات والمقولات والعادات المستجدة، فإن هناك ما يشبه «تسونامي» ثقافياً يعصف بالتراث الثقافي اللا مادي للشعوب الأكثر فقراً في العالم، ولنقل لشعوب العالم الثالث تحديداً، ويشكل الأمر كارثة حقيقية عندما نعلم أن هذه الشعوب تمتلك التراث الأغنى والحضارة الإنسانية الأكثر عراقة، لكنها تقف عاجزة أمام الهجوم الغربي الشرس على موروثها الثقافي والذي يؤثر بقوة على الأجيال الصاعدة حتى أن أحد الباحثين في التراث العربي والثقافي اللامادي حذر من أنه إذا لم نبادر إلى جمع وتدوين وحماية هذا التراث وتتميمه فسيأتي يوم يعتبر بعضنا (الهمبرغر) الأمريكي الهجين من الأكلات الشعبية العربية!. إن التراث اللا مادي هو بمنزلة الروح لكل مجتمع، وعليه تتأسس الهوية الإنسانية لكل شعب من الشعوب، فإذا غادرت هذه الروح مجتمعاً ما، فإنه يفقد بالضرورة هويته والخصائص التي تميزه ضمن المجتمعات الأخرى، وهنا وجها الخطورة والإلحاح، ذلك أن التراث الحضاري اللا مادي مازال في طوره الشفاهي غير المدون، ولهذا فهو آيل للاندثار، ولهذا أيضاً فنحن في سباق مع الزمن، لأن من يحملون هذا التراث الشفهي قد رحلوا، والذين بقوا منهم على قيد الحياة تقدموا في العمر وقد يدركهم الأجل قبل أن ندوّن ما يحفظونه، وهو ما يلح على أن نقوم بعمل عاجل ومنهجي لصون هذا التراث قبل اندثاره. لعله من الصعب الإحاطة بتعريف جامع للتراث الثقافي اللا مادي، فهو يشمل الفولكلور الشعبي والموسيقا الشعبية والقصص والأساطير والأمثال الشعبية، وكذلك العادات والطقوس وتقاليد الأفراح والأحزان والشعر المحكي والمهارات التقليدية في المهن، ويتضمن أيضاً كل ما له علاقة بالمخزون والموروث الشعبي المتوارث وغير المدون. وإذا كان لا شيء يولد من فراغ، فإن هذا التراث اللا مادي هو حصيلة تراكم يمتد لآلاف السنين من حياة أي مجتمع، حيث انه يصبح بمنزلة (اللا شعور) في مصطلحات علم النفس لكل شعب من الشعوب. ويتطلب الأمر جمعه وتدوينه وتعميمه وصيانته حفاظاً على (الروح الجمعي) لمجتمعنا الغني والأصيل. لقد شهدنا محاولات فردية هامة في جمع جوانب من هذا التراث وتدوينه ودراسته، لكن هذا التراث أكبر وأشمل من أن تحيط به جهود فردية مشكورة. ومن هنا، فإننا نراهن على الحملة الوطنية السورية لجمع وتوثيق التراث الثقافي اللا مادي التي أطلقتها وزارة الثقافة منذ منتصف أيلول الماضي، والتي سبقتها وتبعتها ورشات وندوات في المحافظات، ولعل مشروع حماية التراث اللا مادي والذي يشمل كلاً من سورية والأردن ولبنان ومصر بالمشاركة مع منظمة اليونيسكو وبدعم من الاتحاد الأوروبي يشكل دفعة قوية في هذا الاتجاه. وهذا ما تم تجسيده بمشاريع إقامة قرى تراثية ومتاحف صغيرة للتراث الثقافي اللا مادي وبتشكيل لجان متخصصة على مستوى كل محافظة لتحديد ما لم يتم توثيقه تمهيداً لتشكيل فرق عمل ميدانية تجوب القرى وتجتمع بالمسنين لتقصي الموروثات الشفاهية والبدء بتدوينها، ولا شك أن المهمة ضخمة وصعبة، لكنها بالتأكيد تنجح بدعم الجمعيات الأهلية وجامعي التراث والباحثين المتخصصين والأكاديميين في جامعاتنا، وكذلك بتعاون الأهالي في مختلف القرى والأحياء والمدن والبوادي. إنه مشروع ضخم وحضاري بامتياز، ما يجعلنا نخشى عليه، ونلح على منحه الاهتمام الأكبر، واستمرار قوة الدفع لإنجازه، لأنه يمثل عملية حماية للروح والهوية الأصلية. المصدر : تشرين السورية |