الناقد وأسرار النص غالباً ما يحدث، حين يتنطع ناقد أدبي، متمكّن من أدواته النقدية، وهو يضع قصيدة إبداعية لشاعر ما، تحت مجهره النقدي، أن يفلح، بحقّ، في تحليل هذا النص الإبداعي، سواء أكان ذلك على صعيد اللغة، أو الصورة، أو الإيقاع ، أو البناء، وسوى ذلك من عناصر هذا النص، حيث يقوّم كل أداة منها على حدة، مبيناً حدودها، وتداخلها، وتفاعلها، وما تتركه من أثر في ذات المتلقي .
كثيرون هم، بحقّ، هؤلاء النقاد الذين استطاعوا أن يفلحوا في إضاءة قصائد محددة لبعض الشعراء، أو تجارب كاملة لهم، لدرجة أن أسماءهم ارتبطت بأسماء هؤلاء المبدعين، بل غدت قراءاتهم لهم مفاتيح لا يمكن الاستغناء عنها، ما دفع إلى القول إن الكثير من النصوص الإبداعية العظيمة، لفتت الانتباه إلى ولادة نقاد عظام، فكانت هذه النصوص ملتقى للشاعر والناقد في آن واحد .
وعلى الرغم من أن النقد الذي يتمكن من إضاءة الكثير من عوالم النص الإبداعي، يحقق مقاربته المهمة، في أمثلة هائلة لا حصر لها، أثناء عمله الإجرائي، ويغدو لا غنى عنه عند القارىء العادي ذي العلاقة العابرة بالإبداع، بل لدى الشاعر الذي طالما ينبهر أمام تلمس الناقد بدقائق وتفاصيل في تجربته، كان قد سها عنها، ولم ينتبه إليها، وإن كان هو نفسه صانع ذلك الإبداع، فإن هذا ما يدل على حذق الناقد الفطن، ذي الخبرة والمراس الطويلين في تذوق وقراءة النصوص، إلا أنه يظل - النقد- نفسه قاصراً، في حالات كثيرة، أمام النص الإبداعي، إذ طالما تبقى نقاط معتمة فيه، يسهو الناقد عن إضاءتها، وهذ اما يفتح المجال للقراءة اللاحقة التي قد تسجل إضافتها في مجال النقد .
ولعلّ الاحتكام إلى تجربة شاعر فذّ كالمتنبي في علاقته بالنقد، والذي تناول القاضي الجرجاني شعره في كتابه “الوساطة النقدية بين المتنبي وخصومه”، يعدّ مرجعاً أوّل في القراءة النقدية لكل قراءة تالية، خير مثال على عدم استنفاد النقد عوالم الشاعر، بل بتنا نرى دراسات مستمرة، لا تزال تكتب في المجالات المتناولة نفسها، من قبل الجرجاني، إلى جانب دراسات حديثة أخرى، تأتي من منظور البنيوية، أو التحليل النفسي، أو نظرية التلقي، وغيرها .
وعلى ضوء مثل هذا الكلام، فإنه يمكننا الاستشفاف بأن النقد نفسه ليس عملية نهائية، مهما كان المبدع على قدر عال من امتلاك الإمكانات ، والموهبة، والخبرة، ومهما كان متمكناً من أدواته النقدية، متمرّساً في التحكم بمبضعه النقدي، وهو يشرّح جسد النص الإبداعي المملوء بالأسرار، متوقفاً عند ما فيه من جماليات، وإشراقات بالدرجة نفسها التي يقف خلالها عند المثالب والهنات التي قد تسجل على هذا النص، معتمداً على معايير واضحة، ورؤية دقيقة، بعيداً عن المحاباة والمجاملة، أو التحامل النقدي، على حد سواء، ويمكن التأكيد أن الناقد الذي قد يرتبط اسمه بتجربة شاعر محدد، أو نصوص محددة لهذا الشاعر، قد يستطيع تجاوز نفسه، ما إن يعود إلى هذه التجربة أو النصوص في قراءة ثانية . المصدر : دار الخليج |