مجال البحث
المكتبة التراثية المكتبة المحققة أسماء الكتب المؤلفون القرآن الكريم المجالس
البحث المتقدم ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث البحث في لسان العرب ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث إرشادات البحث

(هكذا أحبه) الحلم بحرق الخشبة

بعد مجموعتها الشعرية الأولى (رمان )، تعود إلينا سعاد جروس في ديوانها الثاني (هكذا أحبه) محملة بأوراق الشعر المنسوج نثراً لتعيد للدفء مكانته، تنسج الحلم على شكل كلمات، وربما تعيد لنا بعض خيباتنا التي تركناها خلفنا، جروس التي تعترف أن الكتابة لم تغير شيئاً (ما هذا الهراء الذي أكتبه/ كل ما سبق وقرأته/ منذ فجر الكتابة/ ماغيّر شيئاً...) ص32 هي ذاتها تعود في مكان آخر لتخبرنا أن النجاح يحتاج إلى البدء من حيث فشل السابقون (تراكم المحاولة إنجاز أيضاً) ص14.

إذاً هي حالمة وتنسج الحلم شعراً، تحلم مثل بقية الحالمين بحرق الخشبة، وتقارب الخطيئة بجرأة أحياناً وبمواربة أحياناً أخرى، وربما هي تسعى كما سعى غيرها من الشعراء نحو الحرية، فمرة كتب أدونيس عن (أبو نواس) يقول: (فالخطيئة بالنسبة إليه في إطار الحياة التي كان يحياها ضرورة كيانية لأنها رمز للحرية، رمز التمرد والخلاص) وإذا استعرنا التناص نقول: إن جروس كانت قريبة من حريتها حين قاربت الخطيئة عبر الكتابة لأنها تريد توريطنا بحفرة التساؤل التي يبعثها الشعر في النفس، تساؤل عن أصول الأشياء و أصول هذه الطاعة العمياء التي نحياها.

في لحظات معينة يشعر القارئ أن جروس تريد من نصها المشاكسة فقط، المشاكسة التي تقتل الضجر، أو المشاكسة التي تحرك هذا الساكن الراكد في حياتنا. ‏

وفي مرات أخرى تقتنص الكثير من اللحظات الإنسانية المعبأة بالشعور فتكتبها لتعيد لهذه اللحظات مكانتها الضائعة ضمن ركام الحياة العابرة (قطيع الفراشات/ السائح على جسد بلله الغياب/ كتب تاريخ لقاء/ في الوقت الضائع/ ومواعيد لموسم الولادة /) ص 86. ‏

في بعض المقاطع تلجأ لمقاربة قضايا فكرية كبيرة تمس حياتنا الذهنية، تقارب هذه القضايا من موقع من يبحث عن أجوبة ويريد قبل كل شيء هجاء واقع مرير : (ما بال ماضينا مسترخيا هكذا/ ما باله حاضراً لا يمضي/ لماذا كلما لهثت الاكتشافات على السماء/ لاذ فكرنا إلى المدافن). ‏

وفي مقاطع أخرى تحثنا على أن نمرغ وجوهنا بالعشب في حديقة بعيدة كما فعل ذلك الرجل الوحيد. ‏

جروس تخونها الكلمات فترسم لحظة الخيبة التي نعيشها حيث لايمطر الحلم والحنين يابس، وفي مرات أخرى تلعب باللغة كما يلعب طفل بألعابه الجديدة، فذاك القرط الذي ضيعته ليس سوى قبلة ضاعت مع الأثير. ‏

هي امرأة تطارد السعادة، تحكي أمومتها، أو هي تعيد رسم العلاقة بين الشعر والأمومة، أليس الشعر أمومة في حالة من حالاته؟ أمومة تعيد للحروف حنانها الغائب. ‏

كلماتها تعري زوايا المكان فترصد حكاية لوحة معلقة فوق سرير بارد، أو حكاية فنجان القهوة البارد، في مكان آخر تحكي قصة قلب ذابل لايليق به غير الندم. ‏

وحين تذهب عيناها نحو سقف غرفتها نقرؤها وهي تكتب عن سنونو يعيد لها فرحاً ضائعاً، يذكرها بقريتها، سنونو يوقظ الشمس كي تصحو. ‏

جروس التي تريد تصدير الدهشة إلينا عبر كلماتها لم تصل لغتها أحياناً إلى مستوى الدهشة المطلوبة، أو بقيت لغتها في إطار ينقصه البريق الشعري (ما أجملنا/ أنا وأنت/ نمزق هذا السكون القاتل/ بموسيقانا الصاخبة...). ‏

بكل الأحوال مستوى الدهشة لايمكن أن يبقى بالتوتر نفسه في معظم المقاطع التي كتبتها وهي المشغولة برصد حياة تشتهيها أن تكون كالشعر. ‏

كتب مرة ممدوح عدوان : (الشعر، الفن الحقيقي، يظل فن الأقلية، تتلقاه أقلية، ولكنها الأقلية الهائلة المعتزة بأقليتها والساعية إلى الحفاظ عليها). ‏

وجروس سعت لأن تكتب لهذه الأقلية الهائلة التي تعرف وتتذوق كلمات الشعر. ‏

(هكذا أحبه) صادر عن الكوكب دار رياض الريس للكتب والنشر 2010. ‏

المصدر : جريدة تشرين السورية