مجال البحث
المكتبة التراثية المكتبة المحققة أسماء الكتب المؤلفون القرآن الكريم المجالس
البحث المتقدم ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث البحث في لسان العرب ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث إرشادات البحث

الهجرة إلى الوطن

«شاشة العينين تمتلئ بالغباش واللوحة أمامه رجراجة، لا يخجل من دموعه ومن تموج الأشياء في عينيه، هل سكرت يايوسف؟ يوسف الجمل ماعاد الخمر يسكره، هي الروح المنعتقة تجري أمامه، ترسم خرائط الزمن القاسي..» ذلك ما أراد أن يخبرنا به القاص منذر فالح الغزالي في قصته الأولى في تلك الليلة من مجموعته الصادرة حديثاً «الهجرة إلى الوطن» والقصة تتحدث عن يوسف الذي غادر القرية باكراً بعد أن أتى أربعة رجال واقتادوا أباه إلى جهة مجهولة ولم يعد من يومها فاتشحت أمه بالسواد، أما هو فحاول التعلم من أزقة المدينة بكل ما فيها وبعد أن اخفق عاد إلى قريته وجلس على تلك الطاولة في مقهى القرية ليأتي أربعة من رفاقه الذين بدت ملامحهم غير واضحة فاقتادوه معهم.

حدث الآن.. حدث أمس ‏

هي القصة الثانية في المجموعة وهي بما تمتلكه من مفردات عبارة عن قصيدة شعرية بالغة الجمال وفيها يتحدث عن حب عنيف بين البطل الذي غابت ملامحه والبطلة الموظفة التي يتعرف عليها لدى زيارته مكتب صديقه فيلتقيها حيث الحب من النظرة الأولى ومن ثم اللقاءات الملغومة في بيته مرة وفي بيتها مرة، ولكن في الشرق يأبى هذا الحب أن يكتمل إذ نكتشف أن كلاً منهما من دين مختلف ولذلك فلامجال للعيش معاً وحين عاد من زيارته لها كان المطر ينهمر بغزارة، حباته الثقيلة ترجمني، تعزف على الطريق لحناً جنائزياً. ‏

خيمة وصحراء وطلقة مسدس ‏

يقول في تلك القصة: الحدث التاريخي يصنعه الناس كل الناس.. حتى التقاليد التي تعشش في رؤوس الناس تحدد مسار الحدث، وفيها يتحدث عن واقع غريب فرض عليه بات يؤرقه ويؤلمه، فهو أستاذ تاريخ، والكف التي أمسكت القلم وكتبت محاضرات في التاريخ لن تشارك في الحدث المأساة ولذلك فربما رصاصة ما ستخلصه من معاناته وتنقله إلى المشفى حيث يرتاح من عذابه وألمه.. ‏

الهجرة إلى الوطن ‏

«إنه يومك الأخير، صباحك الأخير.. أيها التائه في البلاد البعيدة.. انظر حولك جيداً فلن ترى هذه البلاد مرة أخرى». ‏

وفيها أنه صحفي سوري كان يعيش في أمريكا إبان 11 أيلول، حمل آلة التصوير وتوجه إلى جامعة جورج تاون ليغطي الحدث، وفي الداخل صدمته المنشورات المعلقة على الجدران ، قرأ: هل تكرههم.. نحن أيضاً نكرههم، وتحت العبارة صورة لرجل باللباس العربي التقليدي. شعر بالغثيان وأحس أن الكلمات تعنيه هو وهذه القضية قضيته، إذاً فلا مجال لحيادية المهنة وجاء مقاله الأخير ورقة دفاع عن وطنه واتهاماً لبلد الحرية المتبجحة لكن رئيس التحرير رفض نشره، قدم استقالته وعاد إلى وطنه الحلم ومعه جواز سفره الأمريكي وأدرك انه ليس بجواز سفر وبيت وسيارة وعمل نملك وطناً، لا أحد معه لا احد يودعه وحيداً يعود مهزوما مثلما غادر مهزوماً، في قاعة مطار البلد أخرج الضابط ملفه القديم، وبأدب قال له: هذا ملفكم القديم ولابد من إنهائه ومن حقك أن تخبر السفارة الأمريكية، لكن الأمر يتعلق بالماضي. أزاح جواز سفره الأجنبي وأخرج الآخر القديم وقال للضابط: نحن الآن مواطنان في البلد نفسه وبإمكاننا معاً أن ننهي كل الملفات.. وهناك قصة رسالة وخالد السوري الذي يعيش تداعيات حرب تموز وكذلك حارس المقبرة الأستاذ الذي تحول إلى حارس مقبرة وكذا قصة قرار نهائي التي يتحدث فيها عن الأستاذ الجامعي والمفكر الوطني الذي يعيش في فرنسا حيث يهيم بفتاة تهيم به هي أيضا، ولكن لأن الوطن يدعوه فيترك كل شيء ويعود بينما الفتاة تلهبها جريمة الفراق. ‏

ثماني قصص بمئة وعشرين صفحة صغيرة يملؤها فيض من المشاعر رفيعة المستوى نظيفة الفكر، بين حب الوطن وحب المرأة وكلاهما متشابهان في كثير من الزوايا والمثل، وكلاهما حضن ينبغي به أن يكون دافئاً حنوناً حاضناً، وأسلوب منذر فالح الغزالي شاعري بامتياز وتكاد كل قصة أن تكون قصيدة ولهذا غلب على المجموعة الاعتناء بالألفاظ والسلاسة وبالموسيقا أحيانا مع جمال المعاني ورهافتها ورفعتها، ولهذا أكاد أرى أن الغور في جمال العبارة والخيال الواسع والإحساس المرهف العالي أفقد القصص شيئاً من حبكتها وفنيتها.

المصدر : جريدة تشرين السورية