البون ما بين الكتابة والثرثرة أراني اليوم أتكلم على الروائيين، بل <الروايات>، وذلك لأن <روائيي> هكذا كتب ليسوا بكتابٍ· أرى ما يسمّى بـ <روايات> تصدر بالعشرات عند كل موسم ثقافي وتدعي الرواية في حين أنها تفتقر إلى ما أنتقده منذ سنوات عبر جريدة <النهار> و<السفير> و<البناء> تباعاً، تفتقر إلى المادة الكتابية، أي اللغة وما هو ركيزتها الأساسية، علامات الفصل· فانتقدتُ ولا أزال، التركيبة الرديئة للجملة العربية· أفلا يخجلون كل أولئك الكتبة (وليسوا كتاباً)؟! أنتقد مجدداً لأننا في موسم إصدارات الكتب الجديدة، وقررت هذه السنة ألا أشتري أي رواية على الإطلاق· اشتريت روايات كثيرة عبر السنوات وفي ظني أني سأكتشف ولو مرة كتاباً حسناً، إلا أني كففت عن التفاؤل، وشبعت شراء ما ليس أكثر من قمامات اللغة كما المضمون· ومع ذلك، ما من آذان صاغية· يتعاملون مع اللغة وكأنها لغة الجيران أو الأعداء: استهتار وقلة دراية أو جهل تام· يكتبون كما يدردشون، ويجهلون أن الكتابة عالم بذاته وإلا لما كتبنا ولاكتفينا بالدردشة· لا يعرف أولئك، وهم كثر، أن الكتابة هي اللغة قبل كل شيء، بل هي كل الشيء في الفعل الكتابي، تالياً، أن اللغة تعني احترام ضوابط التعبير· ليسوا فقط رديئين في صناعة الجملة (وما الكاتب سوى صانع كلمة؟! فالكاتب ليس حكواتياً· الكاتب صائغ لغة)، إنما وتالياً هم رديئون أيضاً في صياغة الفكرة· أخجل بدلا ً منهم كلما أمرّ على جملة لا أفهم فكرتها سوى بعد عناء فك ألغاز <كرشونيتهم>، وأتساءل كيف يجيزون كل هذه الزبالة· في أي حال، ليس أولئك أكثر من ثرثارين· منذ عقود وأنا أردد أن اللغة هي صُلب الكتابة ولا مضمون من دونها· فمن هذا الصلب تأتي الكتابة· وأتعجب كيف لا يأبهون باللغة وهي المادة الوحيدة الضرورية في هذه الصنعة· يطبعون (لا يكتبون!) خبرية فحسب· وهكذا روايات ستذهب إلى القمامة ولا شك لأن خبرية من دون لغة لا تصمد لا الآن ولا غداً· وأولئك الكتبة لم يتخموني فقط بجهلهم للمادة الكتابية، أي اللغة، إنما أيضاً أتخموني بمضامينهم التي لا يحيدون عنها منذ عدة سنوات: الجنس الفاحش، نضيف إليه الفحش المالي والفانتازيا الإجرامية الجنسية على أنواعها حيث لا علمية ولا عمق إنما سخافة فاسقة لا تطاق· لطالما ركزت على اللغة وكل تفاصيلها في الكتابة كلما انتقدت تلك الصناعات الرثة، لأني على يقين بأن الكتابة من دون صُلبها، أي اللغة، ليست بكتابة، وأراني مضطرة على مدار السنة لأن أقرأ القمامة والرداءة، لكني قررت الإضراب أخيراً عما يشوّه نظري (رؤية الجملة) وسمعي (القراءة الجوانية عبر الصفحات)، الإضراب عما أسميه قلة احترام إزاء القارىء كما إزاء الكتابة· لكن هذا لا يقتصر فقط على الكتبة· فدور النشرغير مهتمة، وأعضاء لجان الجوائز لم ينتفض ولو واحد فيهم حتى الآن ليصرخ في وجه كل هذه الزبالة المطبوعة، وكأنهم لا يقيّمون سوى <المضمون- الخبرية>، وأي مضمون هو هذا الذي يأتون به في معظمهم، مضامين الثرثرة !! صباح زوين المصدر : اللواء اللبنانية |