أوراق ..حول رياح الشرق! قرأت قبل فترة وجيزة كتاب «موريس بيكام» الذي يحمل عنوان «مابعد الرؤية المأساوية- البحث عن الهوية في القرن التاسع عشر» الصادر عن وزارة الثقافة السورية نهاية هذا العالم،. ويقال عادة إن القراءة تقدم الخبرة والاطلاع وتجعل زوايا الرؤية تتسع، لكنها في الوقت نفسه قد تجعل المرء يبحث خارج ماتسطره الصفحات، بإثارة أسئلة لاتجد جواباً لها، بين دفتي الكتاب، وهذا ماحصل معي. فقد بحث المؤلف، في آراء عشرات الأدباء والكتاب الأوروبيين الأكثر شهرة ومكانة وتأثيراً في الثقافة والفكر الأوروبي، في القرن التاسع عشر، وظلالها في القرن العشرين، والانحناءات الحادة التي شهدها العقد المنصرم، في مشهد رؤية الذات والآخر. مالفت نظري، أن المؤلف، لم يحاول على الاطلاق رؤية المشهد الثقافي الأوروبي، من خارج سياق مايسمى المركزية الأوروبية، فالشرق بكل ماأنتجه من حضارات وثقافات وقيم أدبية وفنون ورؤى إنسانية، يبدو خارج السياق، أو أنه لايحتاج إلى أكثر من إشارة عابرة في مقدمة الكتاب كما فعل المؤلف، والغريب هو أن عدداً لابأس به من فلاسفة وأدباء أوروبا، بحثوا في إشكالية مازالت قائمة، وهي الاعتراف بإنسانية الثقافة، وليس الزعم بأن حدود المعرفة قد بدأت وتوقفت عند رموزها الأوروبية، بينما منتجوها من الأمم والشعوب الأخرى، هم إما «برابرة» أو مادة من اختصاص علماء الآثار، الذين يبحثون فيما تبقى من أوابد لثقافات الشرق، التي تبدو نمطية للحد الذي يجعل الباحث الأوروبي، يرى بطريقة مباشرة أو غير مباشرة أن هذه الثقافة قد توقفت عن البحث في ذاتها ومن حولها، منذ آلاف السنوات. يعتقد البعض أن رياح ثقافة وأدب الشرق بدأت تهب على أوروبا بشكل مختلف عن نهايات القرن العشرين، وقد يبدو هذا صحيحاً من حيث الظاهر، فعلى الرغم من وضع نهايات للتاريخ والترويج السياسي لصراع الحضارات والثقافات، وهي صناعة أمريكية بامتياز، فإن مشهد ثقافة الشرق المعاصر، بدأ يلقي ببعض الضوء على العقلية الأوروبية، بمعنى أنه أصبح يثير في دوائر محددة الاهتمام، فنجيب محفوظ مثلاً، أصبح يقرأ في أكثر من لغة أوروبية، وكذلك محمود درويش، والسياب، وأمين معلوف، وعدد آخر يبقى محدوداً في القدرة على تقديم مقاربة فعلية للصورة الحقيقية، والأهم من ذلك، أن هذا لم يدخل بشكل جدي وعميق في العقلية الأوروبية، بما في ذلك نخبتها الثقافية والأدبية، ومن الأمور التي تبدو عصية على التفسير مثلاً أن يحدث ماسلف في أمريكا اللاتينية، ويحتجب عن أوروبا جراء الستائر الفكرية الكثيفة، التي كان أحد أسبابها الاستعمار والاستشراق، الذي كان في الكثير من نماذجه، قد قام بدور «الاستطلاع» لشؤون أقوام الشرق، قبل أن تبدأ الحملات الحربية، ولذلك فإن ثقافة الشرق وأدبه، خاصة ما يتصل بالعرب، كانا ولايزالان يشبهان ظل خجول، في المشهد الفعلي الأوروبي، الذي قد يرى مكانة «جلال الدين الرومي» لكنه يقف بنظر كليل عند مكانة عبد الرحمن الكواكبي، على سبيل المثال، وحين ينبهر ناقد أوروبي برواية أمريكا اللاتينية، قد لايكلف نفسه عناء البحث فيما أضافته الرواية العربية المعاصرة، لمشهد الرواية العالمي، فهل لذلك صلة بعقدة متأصلة ذات أبعاد تاريخية في صلب الذاكرة الأوروبية، أم أن رياح ثقافة الشرق والعرب المعاصرة، لم تعصف كناية لتهز القناعات القديمة؟! المصدر : جريدة تشرين السورية |