فدوى طوقان.. شاعرة فلسطين والعروبة لعل مادفع الدكتور المتوكل طه للخروج بهذا الكتاب هو تعريف الآخرين بالحالة الإبداعية النادرة التي كرسها عدد من القصائد والرسائل. رسائل إبراهيم طوقان إلى شقيقته فدوى وهي في عمان ونابلس عندما كان يدرس في الجامعة الأمريكية في بيروت. فيبين المؤلف مدى تأثير هذه الرسائل على حياة فدوى الشخصية والشعرية. كما أنه يسلط الضوء على المحذوف من شعرها أي على مالم تُرد الشاعرة نشره. ويتقدم أيضا بدراسة نقدية معمقة للجانب الشعري والإبداعي لفدوى طوقان. فضلاً عن فرده لسيرتها الذاتية.. فالشاعرة فدوى طوقان (1917- 2001) اعتمدت على نفسها في تثقيف ذاتها. وقد استهوتها الأفكار الليبرالية والتحررية كتعبير عن رفض استحقاقات نكبة 1948، كما أنها غرقت في الفلسفة الوجودية بشكل خاص والمدارس الفلسفية الغربية بشكل عام. وقد حافظت فدوى رغم ظروفها العائلية الصعبة على وتيرة حياتها الهادئة في بيتها الصغير على إحدى هضاب جرزيم، تكتب الشعر وتنشره، تزرع الأزهار وتنتظر نموها. وشكلت نكسة عام 1967 دافعاً مهماً كي تكسر الشاعرة مرة أخرى إيقاع حياتها الرتيب، فتخرج من جديد للخوض في تفاصيل الحياة اليومية الصاخبة، وتشارك في الحياة العامة لأهالي مدينة نابلس تحت الاحتلال، وتبدأ عدة مساجلات شعرية وصحافية مع المحتل وثقافته. وقد أصدرت ثمانية دواوين: «وحدي مع الأيام»، «وجدتها»، «أعطنا حباً» «أمام الباب المغلق»، «الليل والفرسان» على قمة الدنيا وحيداً»، «تموز والشيء الآخر»، «اللحن الأخير»، عدا كتابي سيرتها الذاتية» «رحلة جبلية، -رحلة صعبة»، «الرحلة الأصعب». وقد حصلت على جوائز دولية وعربية وفلسطينية عديدة وحازت على تكريم العديد من المحافل الثقافية في بلدان وأقطار متعددة. ويعتبر الكاتب فدوى طوقان من الشاعرات العربيات القلائل اللواتي وصلن الشعر القديم بحركة الحداثة والتجديد، خرجت من الأساليب الكلاسيكية للقصيدة العربية القديمة خروجاً سهلاً غير مفتعل.. فصاغت من ذلك قصيدة غنائية ناسبت ولاءمت نفسيتها التي تميل إلى التفجع. تذهب في قصيدتها المحذوفة «توأم الثور»: لم يكن حباً ولكن كان كشفاً واكتشافاً لامرئ غير رديْ سيئ الطبع غويْ.. يتصف شعر فدوى بالمتانة اللغوية والسبك الجيد، مع ميل شديد إلى السردية والمباشرة وهي في تمركزها حول أسئلتها الوجودية، فإنها تنكشف انكشافاً سافراً للأفكار المجردة، وتتكئ في ذلك على مقولات جاهزة، تجعل من بعض قصائدها وكأنها حوارات مع الأفكار، أكثر مما هي تصوير للمشاعر.. وخصوصاً أنها كسرت الصور التقليدية لمشاعر المرأة الشرقية، وابتعدت بها عن كونها مجرد متلق لتدفعها إلى ممارسة الفعل وأخذ المبادرة، انطلاقاً من داخل مهشم ومهزوم. تشتكي في إحدى قصائدها المحذوفة «أينهم»: شمعة كنت في البداية لما النور أعطى عنوانه للضياء صعقوا وانثنوا يشيدون عالي الأسوار حولي مستعجلين انطفائي ما لهم يخنقون نبض طموحي وهو طير مرفرف في الفضاء فداء المقاومة أما المقاومة فغنت لها فدوى وغنت لجبل النار، وغنت لنابلس التي كانت ولا تزال تقدم النموذج الساطع في المقاومة والتصدي غنت للرجال والسواعد والدماء الزكية، غنت للوطن ولأهل الوطن، وأفرغت الشاعرة حبها ووجدها لما يحدث أمامها من أعمال مقاومة مجيدة.. ويرى الكاتب في شعرها أنه لم يكن يحمل في تلك المرحلة ذلك الغضب ولم يتميز بتلك المراجل القوية التي تبث القوة في العروق والأوردة، ولكنه كان أشبه بالتميمة التي تعلق في العنق. ويستعرض في فصل مستقل- قصائد لم تنشرها فدوى طوقان- نحو الـ 17 قصيدة كجدلية الحب والبغض- أقنوم الشر- دعي الشعر- تحية صباحية- ملء قلبي.. وحينما همَّ المؤلف لقراءة رسائل ابراهيم إلى فدوى تساءل: كيف أصف علاقتي الشخصية بهذه الشاعرة الكبيرة؟! كيف أصف رهبتي وأنا أتقدم إلى بيتها المتواضع على أحد أكتاف جبل جرزيم في نابلس؟! .. دهمتني الروائح، والأزهار، والجو العابق بحضور دافئ وكثيف، تقدمت الشاعرة بكل شيء، بابتسامتها الواسعة وعينيها الطيبتين اللتين تشعر معهما أنهما كانتا في بكاء أو أنهما توشكان على البكاء، بوجهها العريض الأبيض المتغضن، ذلك الوجه الأموي، بالجبهة العالية الواسعة المريحة، والألق الخفي الذي يشيع حولها، كل شيء في ذلك البيت يدعو إلى الراحة والهدوء.. أما عن مضمون الرسائل فهي رسائل فيها من الطرافة ما فيها من وجوه هذه الطرافة أنها رسائل بين شقيقين شاعرين يتكاتبان ويتناصحان ويعلّم أحدهما الآخر. تقول فدوى في سيرتها الذاتية عن هذه الرسائل: عشت على رسائله التي لم يقطعها عني وفي موضع آخر تقول: (وكان هو وحده الذي يراني ويحس بكينونتي ووجودي) ولهذا السبب كانت فدوى ترفع عن طريق شقيقها «بذور وقشر البرتقال حتى لا يتزحلق في الطريق، كما ذكرت في موقع آخر من سيرتها. وعن أهمية هذه الرسائل فيوضح الكاتب أنه وحسب علمه، فإن تاريخ أدبنا العربي يخلو من مثل هذا النوع من الرسائل بين شقيقين شاعرين.. ومن خلال هذه الرسائل نستطيع رسم صورة فكرية واجتماعية لأوائل الثلاثينيات في القرن الماضي لبلاد الشام.. كما أنها دفعت بصبية في الخامسة عشرة من عمرها مقموعة ومهمشة إلى أن تكون شاعرة من أهم شاعرات القرن الماضي في وطننا العربي. وتبقى الرسائل وكأنها كتبت بالأمس فقط، طازجة حارة تمور بالحدة والمفارقة والسخرية، شأن إبراهيم دائماً الذي يقول: تعشيت ونمت وصحيت وكسرت الصفرة وعلمت أربع ساعات.. وتكتسب أهمية خاصة، لأنها نتاج خرج من دواخل إبراهيم دون أن يخضع لرقابة القارئ المفترض، ودون أن تمر تحت سيف الوعي الذي يحيط بالنص جيداً قبل أن يعممه في الصحافة أو يلقيه على المستمعين. المصدر : جريدة تشرين السورية |